رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

العمل التطوعي ضحية تناقض المرجعيات!

مقالات الرأى

الاثنين, 26 يناير 2015 16:46
د. محمد يونس

تتعامل غالبية الدول المتقدمة مع العمل التطوعي باعتباره ضرورة تفرضها متطلبات الحياة المعاصرة بسبب تزايد الطلب على الخدمات الاجتماعية لدرجة تفوق قدرات الحكومات على الإيفاء بها مما يتطلب وجود جهات مساندة للجهود الرسمية. وبذلك صار ركيزة أساسية في بناء المجتمع ونشر التماسك الاجتماعي بين المواطنين باعتباره أسلوباً عملياً للتعبير عن الانتماء للوطن وحبه بفعل ملموس، فضلا عن أنه يمثل فرصة للشباب لاكتساب الخبرات التي يحتاجها عند التقدم للوظائف.

وقبل ذلك فإن العمل التطوعي جزء من تراثنا وتقاليدنا الاصيلة فقد نبتت بذوره منذ ابتكر المصري الزراعة  حيث درج المزارعون على التكاتف في الزرع والحصاد ثم تطور الأمر إلى الأفراح والأتراح كل بحسب قدرته.
أتذكر ونحن تلاميذ بالمرحلة الابتدائية كنا نساهم بفاعلية في مثل هذه المجالات فإذا تم الاعلان عن زواج أحد افراد العائلة، مثلا، نهب لكتابة خطابات الدعوات وتوزيعها على المدعوين،  قبل تحول الناس إلى بطاقات الدعوة المطبوعة في المدن، في سياق تراجع إنتاج القرية لصالح شراء المنتجات الجاهزة.
ويرتبط العمل التطوعي بشكل وثيق بكل معاني الخير عند كل المجموعات البشرية. وفي قيمنا وتعاليم ديننا ذخيرة هائلة من القيم الدافعة له، انطلاقا من الحث على التعاون والتضامن فهناك العديد من النصوص الدينية التي تدعونا الى ذلك وتعدنا بالسعادة في الدارين جزاء

هذا التطوع، لتحقيق الترابط والتآلف والتآخي بين أفراد المجتمع حتى يكون كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم (كالجسد الواحد).
وشكل الوقف رافدا قويا للعمل التطوعي وغطاء ماليا له ووجدنا هذه  الجهود قد حققت العديد من الانجازات لم يكن أولاها جمعية  المواساة التي بنت المستشفيات ودور الايتام  ولا آخرها إنشاء جامعة القاهرة.
واليوم يتضاعف الاهتمام بالعمل التطوعي في مختلف بلاد العالم في حين يتراجع في المجتمعات العربية والإسلامية، لأسباب عديدة  يشير الى بعضها الأكاديمي السعودي د.حميد بن خليل الشايجي في بحثه عن معوقات العمل التطوعي وعوامل نجاحه– ومن أبرزها:
أولا: «التسييس»، حيث جرى إدماج ما يتعلق بثقافة «التطوع» ضمن ثقافة الهيمنة التي فرضتها الدولة، كما خضعت البنى المؤسسية «للأعمال التطوعية» للتفكيك وإعادة الهيكلة والتنميط ضمن السيطرة الحكومية، ومن ناحية اخرى  حاوت جماعات رفعت شعارات دينية الاستفادة من مظلة العمل الخيري سياسيا كما قصرت  طوائف أخرى الاستفادة منه على ابناء الطائفة او الدين.
ثانيا: تركيز مفاهيم وأفكار التطوع حول قضايا لا تحتل أولويات متقدمة في اهتمام المجتمع، حيث يتوجه خطاب التطوع المدعوم من المنظمات الدولية
إلى  قضايا المرأة، والسلام، والبيئة أكبر من قضايا محو الأمية والبطالة والرعاية الصحية، التي تحتل أولوية متقدمة بالمجتمعات العربية والإسلامية.
ثالثا: اختلاف مرجعيات العمل التطوعي بالمجتمع العربي حيث تستند في قسمها الموروث إلى المرجعية الدينية، بينما تستند في قسمها الوافد إلى المرجعية الوضعية العلمانية، وتسبب هذه الازدواجية الكثير من التناقضات والانقسامات داخل خطاب الثقافة السائدة للتطوع؛ إذ يعمد أنصار «الموروث» إلى التركيز على المضمون الديني الإسلامي للتطوع مع إعطائه تفسيراً ضيقاً لا يتسع في كثير من الحالات لغير المسلمين، بينما يركز أنصار «الوافد» على المضمون المادي، «الدنيوي» للتطوع ويتجاهلون - أية أبعاد روحية أو دينية له.
وتسبب هذه الازدواجية ضرراً لثقافة التطوع في المجتمع العربي حيث تسهم في إيجاد منافسة غير متكافئة بين المكونين «الموروث» و«الوافد»؛ فلا يجد أنصار «الأخير ما يمنعهم من قبول التمويل الأجنبي، أو العمل طبقاً لأجندة أولويات لا تخدم المجتمع العربي ، فضلاً عن الآثار السلبية لتلك الأجندة الأجنبية على نظام القيم والأخلاقيات بمجتمعنا العربي ، كما يؤدي هذا «التمويل الأجنبي» إلى خلق حالة من التناقض في منظومة القيم التي تقوم على أساسها ثقافة التطوع؛ فبينما تؤكد الثقافة الموروثة على قيم الاعتماد على الذات، والتضحية، والبذل، والعطاء من ذات اليد، والإيثار، تأتي الثقافة التطوعية الوافدة –بقبولها التمويل الأجنبي- لتؤكد قيم التواكل على الغير، أو التطوع بأموال الآخرين واستمرار الخضوع وذل المسألة. وفي الحالتين ثغرات ومبررات للسلطات للتدخل والسيطرة او المصادرة، وكل ذلك يخصم من رصيد العمل التطوعي.
إذا كان هذا السياق العام لمسار العمل التطوعي على المستوى العربي ، فإن سياقه في مصر يتطلب حديثا آخر.

[email protected]