رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سدد ديونك التي لا تعرفها!

مقالات الرأى

الاثنين, 22 ديسمبر 2014 22:58
د. محمد يونس

متى تسدد ديونك؟.. نعم ديونك انت الذي تقرأ هذه السطور!.. قبل ان تذهب بعيدا في تقدير سلامة عقلي أو عقلك،اعلم عزيزي القارئ المصري أن عليك أكثر من 25 ألف جنيه، هي نصيب كل مواطن من حجم ديون مصر الداخلية والخارجية!

وقبل أن تسأل: لماذا أقلب عليك المواجع، أجيبك بأن السبب يكمن في تقارير وزارة المالية التي تؤكد تزايد عجز الموازنة العامة للدولة (مثلا: ارتفع خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين بنسبة 2.3 % إلى 56.023 مليار جنيه). وهذا يعني ببساطة أن نصيب حضرتك من الديوان قد زاد مرة أخرى!! فعلى الرغم من تحملي وتحملك أعباء تخفيف الدعم وما صاحبه من ارتفاع الأسعار، وبالرغم أيضا من زيادة حصيلة الضرائب إلا أن ذلك لم يخفض نصيبك من الديون بل زاده.
لن أدخلك في دوامة الأرقام ولا متاهة المصطلحات الاقتصادية المعقدة، لأني منذ سنوات طويلة أحاول فهمها وأعصر على نفسي ليمونا كثيرا لكي أقرأ الصحف الاقتصادية، متعثرا بين التعبيرات المركبة التي قد تبدأ بعجز الموازنة ولا تنتهي بالمنفعة الجدية، لكني لم انجح مطلقا في فهم هذه المعضلة التي بالتأكيد تؤرقك أنت ايضا، وهي كيف لبلد لديه أراض كثيرة منبسطة ونهر بطول النيل ومصانع وجامعات وشواطئ تمتد آلاف الكيلومترات وطقس معتدل وثلث اثار العالم ومعادن،

وموارد عديدة أخرى يعلمها الجميع بدون اللجوء إلى محاضرة في الجغرافيا، وعلى أرضه شعب من أذكى شعوب العالم، زرع وصدر المنتجات الزراعية والصناعية منذ عصر سيدنا يوسف عليه السلام، وشيد حضارة قبل ان يعرف بقية البشر الابجدية. وعلم العالم قواعد الاقتصاد الزراعي والصناعي منذ 7 آلاف سنة.. كيف لبلد هذه بعض موارده وقدراته يعيش اليوم على الديون والمساعدات حتى بلغت اجمالي ديوننا الداخلية والخارجية 2 تريليون جنيه، منها 1.708 تريليون جنيه تمثل الدين العام المحلي، و45.8 مليار دولار دين الخارجي، وفقا لأحدث تقرير للبنك المركزي المصري،أي أن جملة هذه الديون تعادل نحو 95% من الناتج المحلى الإجمالي!
هذا الرقم التريليوني هو الأكبر في تاريخ الدين المصري، وإذا قسمناه على عدد سكان مصر، يتضح أن نصيب كل مصري من هذه الديون أكثر من 25 الف جنيه.. كيف ولماذا؟ الاجابة عن أسئلة من هذا القبيل قد تأخذ وقتا طويلا وتفاصيل تتوهنا اكثر، وربما يكون الأجدر بنا ان نسأل: ما الحل؟
وقبل ذلك تجدر الإشارة إلى أننا لا نقصد هنا إعادة الحملات السابقة لسداد ديون مصر
التي أحاط بها لغط كبير وكلام عن ضلوع نجل رئيس سابق و تربحه من إجراءات شراء ديون مصر إبان فترة عمله بأحد البنوك الأجنبية بالخارج خلال عام 1986. ولا أطالب أحدا بسداد ديون ليس له دخل مباشر بها، ولكن الأمر يستوجب التوقف عند 3 نقاط رئيسية، الأولى: ان تجربتنا مع الديون وبخاصة الخارجية سيئة جدا وكلنا نعي درس الخديوي اسماعيل وكيف كانت الديون مدخلا للتدخل الأجنبي المباشر في الشأن المصري، وهو ما استوعبته الخبرة المصرية بعد ذلك، حتى صار الدين الخارجي صفرا في أربعينيات القرن الماضي، والثاني: أن هذه الديون تضاعفت بشكل خطير خلال الثلاثين عاما الماضية بشكل يستوجب المساءلة. والثالث: أن الرقم الذي بلغته ديوننا قريب من الرقم الذي اربك اليونان وكانت سببا لقيام، الاتحاد الأوروبي بفرض لجنة رقابة دائمة على اليونان تشبه لجان دول الانتداب. مثلما حدث مع مصر ابان حكم الخديوي اسماعيل. ومن ثم علينا ان نتدارك الامر قبل فوات الأوان، ولا نعول كثيرا على المساعدات التي لن تدوم، وعلينا التعامل مع الامر بشفافية كاملة تليق بقضية وطنية يجب ألا تخضع للمزايدات السياسية فنحركها في أوقات ونسكت عنها في اوقات أخرى. وإذا لم تكن هناك آليات لا تضمن فقط سداد الديون، وإنما تشمل ايضا التعرف على اسبابها ومحاسبة من ورطنا فيها ، فإننا قد نعرض أنفسنا الى الأسوأ – لا سامح الله -، ويومها لن يكون السداد من أموالنا فقط، وإنما من كرامتنا ايضا.
ليس لدي حل سحري لقضية الديون، ولكن يمكنننا جميعا ان نفكر في مبادرات مبتكرة لعلاج أصل المرض، وهو موضوع له حديث آخر.

[email protected]

ا