رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

القصاص لا يسقط بالتقادم أو أمر النيابة

مقالات الرأى

السبت, 13 ديسمبر 2014 21:47
دكتور: الشافعى محمد بشير

فى مقالنا يوم الأحد الماضى أقمنا الدليل على ثبوت القصد الجنائى عند الرئيس مبارك بإطلاق الرصاص على المتظاهرين يوم 25 يناير 2011 وذلك بامتناعه عمداً عن مباشرة سلطاته الرئاسية بإعلان فورى للبوليس بعدم إطلاق الرصاص بعد علمه المبكر يوم 25 بسقوط قتلى برصاص البوليس فى مدينة السويس، وأن هذا المسلك المنافى للدستور والدين والقانون قد أدى إلى سقوط 840 قتيلاً وستة آلاف و312 مصاباً بعاهات مستديمة وغيرها وتتعلق مسئوليتهم برقبته حياً وميتاً.

وأصدرت محكمة الجنايات حكمها يوم السبت 29 نوفمبر ببراءة مبارك مما نسب إليه (لصدور أمر ضمنى فى 23 مارس 2011 من سلطة الاتهام بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبل المتهم محمد حسني مبارك عن تلك الأفعال الإجرامية المؤثمة).
وكان المهتمون بالعدالة الجنائية والمدافعون عن حقوق الإنسان يتمثلون مدخلهم للعدالة والإنصاف بالتركيز أولاً على الضحية واتساع بصيرتهم في تفسير الدساتير والقوانين لعدم إفلات المجرم دون عقاب كما فعلت محكمة الاستئناف الفيدرالية في الولايات المتحدة الأمريكية في القضية الشهيرة المعروفة بقضية فيلارتيجا.. وهو شاب في مقتبل العمر كان ضحية اعتقال تعسفى وتعذيب حتي الموت انتقاماً من أبيه المعارض للحكومة وردعاً له حتي بلغت وحشية رجل البوليس المدعو بينا إيرالا إلي درجة استدعاء أخت الضحية وأمسكها ليقودها إلى جثة أخيها المدرج في دمائه من التعذيب القاتل، وصاح مهدداً لها بأنها ستنال ما ناله أخوها من تعذيب وقتل إذا لم يرتد أبوها عن موقفه المعارض للنظام.
ولم تجد الفتاة وأبوها أي فرصة للعدالة في البلد الذى لم تسائل مفتش البوليس الذي قام بقتل فيلارتيجا تعذيباً.. ولكنهما لم ييأسا من ملاحقة المجرم

عندما سافر إلى نيويورك مع رفيقته لقضاء إجازة طويلة.. فسافرت خلفه الفتاة واستعانت بكبار المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان الذين أوقعوا رجل البوليس في الحجز بسبب إقامة غير شرعية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد انقضاء المدة المصرح له بها.. وسارعوا بإعلانه بصحيفة الاتهام أمام محكمة أول درجة في نيويورك لمحاكمته عن جريمة التعذيب حتي الموت للشاب فيلارتيجا.. وقد دافع المتهم عن نفسه بأن دفع بعدم اختصاص المحكمة الأمريكية بالقضية لأن الواقعة حدثت في دولة باراجواى التي ينتمي إليها المدعى والمتهم وقد أخذت المحكمة بذلك الدفع وقضت بعدم الاختصاص.. ولكن محكمة الاستئناف الفيدرالية فسرت الدستور والقانون الأمريكي بما يسمح بالمحاكمة عن تلك الجريمة البشعة التي اعتبرتها جريمة ضد البشرية وأن الذي قام بالتعذيب والقتل يعتبر مثل القرصان الذي يُحاكم في أي مكان طبقاً لما استقر عليه المجتمع الإنسانى الدولى والذي يعتبر جزءاً من المنظومة الدستورية والقانونية الأمريكية، ومن ثم رفضت حكم المحكمة وأعادت لها القضية لتحكم فيها طبقاً للتفسير الذي وضعته والذى احترمته محكمة أول درجة وحكمت فعلاً بإدانة المتهم وتعويض الضحايا ممثلين في والد القتيل وشقيقته بعشرة ملايين دولار أمريكي مناصفة بينهما.
لقد كانت محكمة الاستئناف الفيدرالية في نيويورك أوسع صدراً وأفقاً وأنفذ بصيرة وعلماً عندما قررت اختصاص القضاء الأمريكي بتلك الجريمة التي وصفتها بأنها جريمة ضد الإنسانية كلها مثلما فعلت العديد من الاتفاقيات الدولية
بتسويغ محاكمة المنسوب إليهم جرائم تدينها الإنسانية المجردة أمام محاكم الدول التي تأخذ بهذا المنهج رغم وقوع الجريمة خارج إقليمها وعلى غير مواطنيها.
والجريمة البشعة المنسوبة للرئيس مبارك أنه شارك في جريمة قتل 840 إنساناً مصرياً في مظاهرات 25 يناير 2011 كما ورد في الإحصائية التي أعلنها المجلس القومى لأسر الشهداء والمصابين والمنشورة بجريدة «المصرى اليوم» في الثاني من ديسمبر الحالى. وقد استظهرها قصده الجنائى في ارتكاب جريمة من نواياه الأكيدة في استمرار حكمه الذى طال لثلاثين سنة وأراد أن يستمر ذلك الحكم فى شخص ابنه الذي عدَّل له الدستور خصيصاً في 26 مايو 2005 بأن صاغ المادة 76 في 647 كلمة لإحكام الحصار على شعب مصر لانتخاب ابنه من بعده، ولم يقف عند ذلك الحد بل أمعن في تزوير الانتخابات البرلمانية لضمان سيطرة أعضاء الحزب الوطنى وهو تزوير شهد به كل المراقبين وأثبتناه ودوناه في مقالاتنا المعاد نشرها في مجلد (أحوال مصر في ثلاثين سنة الصادر فى جزئين من منشأة المعارف بالإسكندرية) ولعل ذلك التزوير كان أحد الأسباب الرئيسية في ثورة الشعب يوم 25 يناير وحتي سقوطه في 11 فبراير 2011.
لقد بكى الكثيرون من إعلان إبراء ذمة مبارك من قتل 840 مصرياً وجرح وإصابة أكثر من ستة آلاف بفقد البصر والشلل وغيرهما من إصابات إطلاق الرصاص.. وربما يكونون قد فقدوا أملهم في عدالة القضاء المصرى.. ولكن كنت دائمًا ومازلت بعد تدريس القانون أكثر من نصف قرن من الزمان وشغل طلابى مئات وربما آلاف المناصب في النيابة والقضاء (فى مصر وغيرها) وكنت ومازلت أحتفظ بقدر كبير من الثقة في عدالة قضائنا حتي عندما ننتقد بعض الأحكام في مقالاتنا الصحفية التي تعدت الألف مقال وأعدنا نشر بعضها في المجلدين سالفى الذكر.
وبهذه الروح كتبت مقالى يوم الأحد الماضى وأضيف إليه هذا المقال وأرجو المستشار من النائب العام أن يضع تحت نظر المحكمة الموقرة ما قدمناه معاونة فى إحقاق الحق والعدل والإنصاف. وصدق ربنا سبحانه وتعالى (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون).

ا