رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هل للدعاة الدينيين مستقبل في مصر؟

مقالات الرأى

الجمعة, 12 ديسمبر 2014 00:31
بقلم: أسامة الغزولي


الدعاة الدينيون طائفة مهنية لا غني عنها في مصر، هذه حقيقة لابد أن نعيها ونتعرف علي دلالاتها، هؤلاء الرجال والنساء الذين يقولون انهم «يدعون إلي الله» هم أشخاص تدربوا علي أداء مهنة معينة، وهم ينفقون علي أنفسهم وعلي من يعولون من الدخل الذي يحققونه من هذه المهنة التي يسمونها الدعوة، ويدفعون ضرائب عن أنشطتهم، كما تفعل كل طائفة مهنية أخري، وهذا يعطينا الحق في أن نطالب المشتغلين بهذه المهنة بأن يكونوا في خدمة المجتمع ولصالحه، لا أن يقفوا خارج المجتمع ويعملوا علي هدمه.

ولنتذكر ما نشرته «الأهرام المسائي» في نوفمبر 2013 «اعترف (الإرهابي المحكوم عليه بالإعدام حبارة) أن دروس الداعية محمد حسان وكتاب الداء والدواء لابن قيم الجوزية كانوا بمثابة نقطة تحول في تشدده الديني حيث انه تعلم منهم ان الدولة المصرية كافرة لأنها ضد مشروع الخلافة الإسلامية وأن الجهاد ضد مؤسسات الدولة واجب شرعي لأنها تخالف شرع الله».
بعد هذا الذي نشره «الأهرام المسائي» لا يزال محمد حسان يعامل من الدولة ومن المجتمع كصاحب مهنة يحق له أن يمارسها، فهل هذا معقول؟
الداعية يقف خارج المجتمع- أو فوق المجتمع- عندما يقول كما قال محمد حسان ردا علي مذيعة سألته عن مهنته: مهنتي هي مهنة محمد [، يا رحمن يا رحيم! ان كان يظن انه النبي فمن حقه أن يهدم ويبني، لكن ما عمله النبي لم يكن عملاً مهنياً، لم يكن هناك تدريب وشهادات واختبارات وتنافس وشبكات مصالح وصكوك ملكية محطات وعقود برامج وضرائب وعلاقات وصفقات مع حكومات وضد حكومات، كما في حالة «حسان» وأمثاله، بل هناك اصطفاء من الله ووحي يتنزل به الناموس الأكبر.
فهل بعد الاصطفاء والوحي يجوز اعتبار سيرة النبي سيرة مهنية يمكن لإنسان آخر أن يقلدها وينتحل صفتها؟ وماذا يقول الناس عندما يسمعون «داعية» يقول هذا عن نفسه؟ وماذا يفعلون؟ ان أردت الإجابة فاقرأ محاضر التحقيق مع «حبارة»: يسمع شاب جاهل كلام «داعية» مثل محمد حسان وهو يفتي بأن شرع الله لا يطبق في مصر فيقرر أن رؤساء الدولة وموظفيهم وضباطهم وجنودهم هم أعداء الله فيمضي لقتالهم، ولا يصل جهله القاتل إلي هذه القيادات الكبيرة، ونحمد الله عليه، لكنه يسفك دم شبابنا من ضباط وجنود الشرطة والجيش، ونعيش نحن بحسرتهم.
وقد سمعت رجل الأعمال الدولي عمرو خالد وهو يضع نفسه هو الآخر في موضع الرسول عندما قال: خللوا بيني وبين الناس، هذه أيضاً كبيرة من الكبائر، فالرسول هو الذي قال هذه العبارة عندما منعته قريش هو وأصحابه من زيارة البيت، وعندما يطلق رجل أعمال عبارة كهذه فهو يجعل من نفسه داعية بمقام نبي، ويجعل المجتمع والدولة صورة عصرية من قريش الكافرة، ثم يواصل حياته من دون محاسبة.
وقبل محمد حسان وعمرو خالد قال حسن البنا- النموذج الأصلي في هذه اللعبة- لأتباعه عندما اختلفوا وأراد منهم أن يحكموه في خلافاتهم: فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم، ولم تكن هذه هي المرة الأولي أو الأخيرة التي يوحي فيها «البنا» بأنه يضع نفسه في أقرب موضع ممكن من مقام نبوة «محمد» التي يشترط للإيمان بها التسليم بانقضاء

أزمنة النبوة كلها واكتمال مسئولية الجنس البشري عن نفسه.
بهذا الادعاء صار «البنا» زعيماً ورجل أعمال لديه شركات كبري ولديه كل ما يأتي مع الزعامة والشركات المربحة من نفوذ سياسي مع القصر والحكومة ومع السفارات الألمانية والبريطانية والأمريكية والروسية، ومثل حسن البنا يمتلك «حسان» وعمرو خالد وغيرهما من «الدعاة» الذين هم ورثة حسن البنا لا ورثة الرسول (الأنبياء لا يورثون) أموالاً طائلة ونفوذاً واسعاً يسيل له لعاب شبان كثيرين، فهل يستمر هذا كله؟
ممكن طبعاً أن يستمر المال والنفوذ ما لم يعاند هؤلاء «الدعاة» التاريخ، وقد يزعم الزاعمون أن «حسان» وعمرو خالد وأمثالهما يعاندون التاريخ ويسيرون في عكس اتجاهه من البداية، لكني أقول لهم لا، لقد كانت حكوماتنا وقيادات الرأسمالية المحلية والدولية وغيرهم من الفعاليات المتحكمة فينا تريد من «الدعاة» أن يلعبوا هذه اللعبة المغرية فلعبوها، ومنحوا أنفسهم صلاحيات ضمنت لهم مالاً ونفوذاً، لكن هذا كله تغير بعد أن وصل الجنون الأصولي ذروته بمحاولة السلفية الإخوانية تفكيك الدولة في مصر، وبعد نجاحها في إشعال حرب ضروس علي الغاز والنفط في سوريا والعراق وليبيا واليمن، وبهذا انكشفوا ولم يعد يحترمهم أحد، بل وأصبحوا عبئاً علي الدين لدرجة قد تدفع البعض لتحميلهم مسئولية إلحاد الملحدين.
وقد شاهدت شاباً ملحداً يصف أحد الدعاة بأنه دجال، وبأن الأديان وهم وبأن الرب اختراع ساذج والنبوات كاذبة، فماذا يعني هذا؟ يعني أن الدعاة كفروا الشباب؟ أن الخطاب الديني الرائج منذ السبعينيات ببهلوانياته ومكياجه وتطاوله وإشاراته الجنسية وتحريضه علي العنف الدموي وعلي تفكيك المنظومة الاجتماعية هذا الخطاب الفاشل في كل شيء إلا في جمع دولارات ملوثة بالدم وصل إلي نهاية مساره وعليه أن يتوقف ويعيد اختراع نفسه؟
هذه كلها احتمالات قوية لا يتعين الاستهتار بها أو تجاهلها، صحيح أن مجتمعنا لازال بحاجة إلي دعاة دينيين ولكن بمفهوم يختلف عما عرفناه من قبل، لماذا؟ لأسباب قد يكون أهمها أن القيادة السياسية القائمة في مصر وفي معظم دول المنطقة لا تعتبر الدعاة من أمثالكم مناسبين لسياساتها كما كان الحال في عهود سبقت، الزمن اختلف يا مشايخ.
 

ا