رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

العاضون على الإثارة بالنواجذ

مقالات الرأى

الاثنين, 24 نوفمبر 2014 22:01
د. محمد يونس

تبا لمن يفضلون عض الكلاب!.. لا تذهب بعيداً، فحديثي عن مبدأ صحفي اعتمدته مدرسة الإثارة في عصر ما قبل الحداثة، وأعادته بعض الصحف والفضائيات في عصر ما بعد التعاسة الإعلامية، وهو مبدأ: «ليس الخبر أن يعض الكلب رجلا، وإنما الخبر أن يعض الرجل كلبا».

بل إن بعض الصحف أصبحت تزايد على أعتى مدارس الإثارة في العالم وصار كل همها هو البحث عن «الرجال الذين يعضون الكلاب!» بينما نسوا نظريات الإعلام الرصينة الأخرى التي تشكل مرجعية الإعلام المحترم في العالم اليوم.
لم يقتصر الأمر على تضخيم الجانب المثير في الحدث، وإنما تفشت العشوائية المهنية في جوانب أبعد من ذلك. حيث تنشر بعض المواقع على الإنترنت، يوميا نماذج صارخة من هذا النوع، وأتلقى بعضها بحسابي على الفيسبوك.
كنا نحصر هذه الانتهاكات من قبل في بعض أخبار الحوادث التي تضفي صف «مجرم» على شخص قامت أجهزة الشرطة بضبطه لم تثبت إدانته بعد، بينما تصفه الصحف التي تراعي المعايير المهنية بأنه «مشتبه فيه» إذا كان في يد الشرطة أو «متهم» إذا تحول إلى القضاء». لأن المتهم برىء حتى تثبت إدانته، بينما في صحافة الإثارة فهو مدان حتى تثبت براءته!
غير أن اللافت للنظر ان انتهاك القواعد المهنية تزايد بشكل صارخ في صحف

بعينها. ومن هذا الانتهاك كثرة الأخبار مُجهلة المصدر، وتلك التي تختفى وراء عبارة مصادر مطلعة أو عليمة، ثم أخذ هذا النهج شكلا اقرب إلى التدليس «حينما ينشر بعض الصحف اخبارا مهمة في مضمونها اعتماداً على مواقع مجهولة على الإنترنت.
تدحرجت هذه الممارسة إلى الحديث الصحفي، فأصبح المحرر يفبرك حواراً مع شخص لنفاجأ بأنه لم يلتق هذه الشخصية إطلاقا وإنما نقل أقوالا منسوبة لها ثم أضاف إليها معلومات من خياله.
الأمر تطور من التركيز على الإثارة أو تجهيل المصدر، إلى فبركة الخبر كله، وما يزيد الطين بلة أن الصحيفة لا تعتذر عنه أو تنشر تصحيحا له في اليوم التالي.
واحيانا يتطوع البعض بنشر خبر مفبرك في قضايا حساسة قد تحرج علاقة الدولة بدول كبرى، مثل خبر «القبض على قائد إحدى البوارج الأمريكية المهاجمة» الذي أثار ردود أفعال مبكية ومضحكة على خيبة إعلامنا، باعتبار أن شر البلية ما يضحك!
وكنا نعتقد إلى وقت قريب في قوة ومصداقية الصورة باعتبارها «تساوي ألف كلمة» لأنها يصعب تحريفها، ولكن الممارسة التي هوت بتقاليد المهنية، نقلت التزييف
إلى الصورة، وبدأ التحريف في جزء من أصلها فيما سمي بـ«الصورة التعبيرية» قبل 25 يناير،حيث تم تحريك محتويات الصورة لتقدم السيد الرئيس آنذاك عن بقية الرؤساء الذي تضمهم نفس اللقطة، وتطور الأمر إلى إضافة أشياء غير موجودة بالصورة بتقنية الفوتوشوب، ثم وصل الأمر إلى تزييف كامل الصورة من خلال أخذها من بلد ونسبها إلى بلد آخر فوجدنا صحيفة تنقل صورة ضحية من أحداث سوريا لتنسبها لأحداث بمصر.
بل قد يتجرأ البعض لدرجة إعادة النشر المشوه لمواد منشورة بصحف اجنبية كبيرة، متوهمة أن القارئ لن يحاول اختبار المصداقة بسبب حاجز اللغة.
العجيب أن هذه الانتهاكات تمضى دون أي حساب من أبناء المهنة، وحتى التقرير اليتيم الذي كان يصدره المجلس الأعلى للصحافة لرصد هذه الانتهاكات توقف بعد 25 يناير.
الذين يقومون بتلك الانتهاكات نسوا أنه في عصر الإنترنت لم يعد بإمكان أحد أن يخفي الحقيقة، حيث أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي الجديدة ساحة ثرية لهذه الفضائح الإعلامية، فتجد مثلا على الفيسبوك «البوست» يضم الصورة الملعوب فيها، من خلال «الفوتوشوب»، والصورة الأصلية في مكان الحدث أو سياقه الحقيقي، أو يحتوى على الخبرين: المفبرك والصحيح، وكل ذلك موثق باسم الصحيفة وتاريخ النشر ورابط ينقلك لتقرأ أصل الخبر بنفسك.
وهكذا يتبادل الفيسبوكيون السخرية من واقع الصحافة والإعلام وحينما نحاول نحن أبناء المهنة انقاذ ماء الوجه وندعي في تعليقاتنا انها مجرد استثناءات تؤكد القاعدة، ينهال علينا فيض من الأخبار والصور المفبركة. فلا يكون بوسعنا سوى صب اللعنات على الذين زايدوا على مدرسة «عض الرجل كلبا» وتجازوها ليفترسوا لحم المهنية أو يعضوا على الإثارة بالنواجذ!

[email protected]

ا