رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حضرات.. قضاة التحقيق!

مقالات الرأى

الأحد, 23 نوفمبر 2014 21:51
الدكتور شوقي السيد



< بعد أن صدر القانون رقم 148/2014 بتعديل بعض أحكام قانون الاجراءات الجنائية، بتعديل ثلاث مواد، وإضافة مادة جديدة، وتحديداً في باب التحقيق بمعرفة قاضي التحقيق، وقد نشر القانون بتاريخ 12 نوفمبر، ليعمل به في اليوم التالي لتاريخ نشره أي اعتباراً من 13 نوفمبر الجاري، فإنه يعتبر من محاسن هذا القانون، التأكيد

علي مبدأ استقلال قاضي التحقيق في مباشرة سلطاته، دون تدخل من أحد مهما كان شأنه، حتي ولو كان ممن ندبه لمباشرة التحقيق، سواء كان وزير العدل، أو رئيس محكمة الاستئناف، أو رئيس المحكمة الابتدائية، ويبدد هذا التعديل خلافاً كان قائماً، عندما تدخل رئيس الاستئناف السابق منذ مايو الماضي في سلطة قاضي التحقيق أثناء مباشرة سلطاته في قضية تزوير الانتخابات الرئاسية لعام 2012، وأدي عدم استجابة القاضي لذلك التدخل، إلي صدور قرار من رئيس الاستئناف بإنهاء ندب القاضي، وقد أكدت دائرة طلبات رجال القضاء في حكمها، عدم مشروعية القرار.. وانحرافه في استعمال السلطة وعدم جواز التدخل في اختصاص قاضي التحقيق، وأن سلطة رئيس الاستئناف تقف عند حد الإشراف الإداري فقط ولا تمتد إلي سلطة قاضي التحقيق! وقضت دائرة طلبات رجال القضاء بمحكمة الاستئناف بإلغاء القرار.. ومع ذلك لم ينفذ الحكم حتي الآن.. رغم وجوبه.. ومازال الطعن بالنقض قائماً!
< ولقد أتت هذه التعديلات مؤكدة ما قضت به دائرة طلبات رجال القضاء وما استقرت عليه أحكام القضاء العادي.. والقضاء الدستوري من عدم التدخل مطلقاً في سلطة القاضي، سواء كان القاضي يباشر سلطة التحقيق.. أو سلطة الحكم، وإلا كان ذلك إهداراً للعدالة.. ومساساً باستقلال القضاء وحيدته، وليؤكد التعديل أيضاً أن سلطة الندب لم تعد بقرار من رئيس المحكمة وإنما أصبحت بقرار من الجمعية العامة للمحكمة أو من تفوضه في بداية كل عام قضائي، وانها لا تملك عليه من سلطة سوي إشرافاً إداري!
< وإذا كان ذلك التعديل حسناً، ليرد العدوان عن قضاة التحقيق في سابقة خطيرة عندما قرر رئيس الاستئناف السابق المستشار نبيل صليب إنهاء ندب القاضي عادل إدريس وسحب قضية تزوير الانتخابات الرئاسية من اختصاصه، فلقد كان من حسنات التعديل كذلك

الحث علي سرعة إنهاء التحقيقات في مدة لا تجاوز ستة أشهر.. أو مدة أخري مماثلة، لكن الأمر الذي لم يكن حسناً في التعديل الجديد إضافة مادة جديدة نمرة 66 إلي قانون الاجراءات الجنائية تلزم فيها قاضي التحقيق المنتدب، بإنجاز التحقيق خلال مدة لا تجاوز ستة أشهر من وقت مباشرته، وإذا حدث موجب يؤخر إنجاز مهمته خلال هذه المدة، عرض الأمر علي الجمعية العامة للمحكمة لإصدار قرار تجديد الندب لمدة لا تجاوز ستة أشهر أخري، وإذا تجاوز المدة ندبت الجمعية العامة قاضيا آخر لاستكمال التحقيق، وتثير هذه المادة المضافة إحياء لنص قديم تم إلغاؤه منذ عام 1952، كما تثير عدة إشكاليات في وجه العدالة.
< فالمشرع لا يجوز له، مهما كان شأنه وصفته، أن يتدخل في شئون العدالة أو القضايا، ويعتبر التدخل جريمة لا تسقط بالتقادم كنص الدستور في المادة 184، ومن صور التدخل التأثير علي عمل القاضي بعوامل خارجية تؤثر في قراره أو عمله، أو إجبار القاضي علي إنهاء عمله خلال مدة معينة، فكيف للقانون أن يحدد لقاضي التحقيق أو لأي قاض آخر حداً أقصي لإنهاء التحقيق أو الحكم.. وهل يجوز للقانون أن يحدد حداً أقصي لتحقيقات النيابة العامة أو سلطة الحكم.. وإذا كانت الأحكام كلها قالت لنا من قبل إن كافة المواعيد التي وردت في القوانين وخاطبت القاضي في كيفية مباشرة عمله انها مواعيد تنظيمية لا يترتب عليها البطلان!
كما يثور التساؤل كذلك لماذا هذا التعديل يصدر في مواجهة عمل قاضي التحقيق تحديداً، ولماذا هذا الوقت بالذات، ونحن نفترض دوماً أن المشرع حسن النية.. وانه منزه عن السهو وعن الخطأ.. فهل كان كذلك؟
< ثم ماذا عن قضاة التحقيق الذين استنفدوا المدد القصوي في قضايا سبق ندبهم لها، ومازالت قيد التحقيق منذ سنوات، وقد صدرت فيها الأوامر، وجار استكمال
تقويم أدلة الاتهام أو الثبوت.. للوصول إلي قرار من قاضي التحقيق بالإحالة أو التقرير بألا وجه، والأمر هنا يحتاج من مجلس القضاء الأعلي أن يقول لنا كلمته في كيفية سريان هذا التعديل بأثر مباشر من اليوم الثاني لتاريخ نشره.. فهل يستمر قضاة التحقيق في مباشرة عملهم حتي لو كانوا قد تجاوزوا المدة المحددة، وماذا لو انه في حاجة إلي مدة أخري من تاريخ صدور القانون، هل يحق للجمعية العامة للمحكمة أن تقرر له مدة أخري في نطاق أحكام التعديل وهو أمر لازم وضروري، وحتي لا يتعرض عملهم للبطلان!
< وتبدو أهمية هذه الإشكاليات إذا ما عرف أن قاضي التحقيق يباشر سلطاته منذ المرسوم بقانون 150 لسنة 1950 أي نحو ما يزيد علي ستين عاماً.. وقد سبق إلغاء هذه المادة تحديداً بالمرسوم بقانون رقم 353 في ديسمبر 1952 لكنها عادت تطل علينا من جديد بالتعديل الذي صدر في آخر عام 2014!
< ومن يطالع سلطات قاضي التحقيق، الذي يندب في العادة لظروف قضية بعينها أو يكون الندب أكثر ملاءمة لها أو بمناسبة جرائم معينة، يجد أن هذه السلطات قد وردت في فصول بلغت خمسة عشر فصلاً بالتمام والكمال، بدءاً من سلطات مباشرة التحقيق وندب الخبراء والتفتيش والانتقال والضبط.. والتصرف وسماع الشهود والاستجواب والمواجهة وأوامر الضبط والحبس والإفراج حتي الانتهاء من التحقيق والتصرف، بل والعودة إلي التحقيق لظهور أدلة جديدة، كما بلغ عدد هذه المواد نحو 133 مادة بدءاً من المادة 64 إلي 197 فإذا كان الأمر كذلك.. فهل يمكن أن نقيد القاضي عند الحكم أو عند مباشرة التحقيق.. أو نقيد النيابة العامة بمدة معينة لإنهاء سلطة التحقيق أو الحكم، فإذا كانت الإجابة بلا، فإنه عندئذ يثور التساؤل عن ماهية هذه الأسباب الجديدة التي دفعت إلي تعديل النص، بإحياء ما تم إلغاؤه منذ أكثر من ستين عاماً؟ كما يثور التساؤل كذلك.. فلماذا قاضي التحقيق.. ولماذا الآن بالذات بعد سنوات من الجهد والوقت بحثاً عن العدالة؟ سؤال بريء.. للعامة والمتخصصين يبحث عن إجابة!
< ويدعو ذلك مجلس القضاء الأعلي الذي وافق علي التعديل، كما يدعو قضاة التحقيق أيضاً إلي تأمل النص الجديد وكيفية تطبيقه ومدي سريانه علي القضايا التي مازالت أمام قضاة التحقيق حتي لا يلحق بعملهم البطلان، بحثاً عن العدالة، وحتي لا تضيع هباء في خبر كان!.. وأؤكد أن العدالة الناجزة هدف عالي المقام يتعارض مع هذا التعديل.. وإذا لم يكن ذلك مقصوداً.. وهو ليس كذلك، فقد يكون نوعاً من السهو أو الخطأ.. فهل يمكن إصلاح ما فسد في الطريق نحو تحقيق عدالة ناجزة تبحث عن منظومة كاملة.. لتحقيق الغاية المنشودة.. أم ماذا؟!
[email protected]

ا