رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

في عصر الجماهير: موت السياسة يعني موت الأمة

مقالات الرأى

الخميس, 06 نوفمبر 2014 23:59
بقلم: أسامة الغزولي

سواء كنت تتفق مع القيادي بحزب مصر الديمقراطي أحمد فوزي أو تختلف معه فلابد من الانتباه إلى خطورة ما يقوله حول «تنحية السياسة في مصر» أو عن «موت السياسة». فالموضوع مهم ولابد من تأمل ما قاله هذا الشاب الذي يحذر من أن «الكارثة في مصر ليست في عدم وجود أحزاب بل في الأربعين سنة الماضية التي لم يكن بها أحزاب أو نقابات أو جمعيات أهلية».

وقد كنت أقول لأصدقائي، أيام حكم مبارك، إنه ليس رئيس جمهورية مصر بل هو مديرها العام. وهذا يعني أن السياسة كانت مغيبة كما قال فوزي فلم تكن هناك تيارات وطنية تتدافع وتتضاغط أو حتى تتصارع، بل حصص من الثروة ومن حق العمل العام يجري توزيعها ورسم حدودها وإلزام الجميع بها وفق تصورات تضعها الرئاسة. وبهذا أصبحت التعددية السياسية كالاقتصاد الحر أكذوبة. وقد اتضحت الصورة لدي عندما اجتمع الرئيس مبارك، لسبب لا أذكره، بكبار رجال الأعمال، وهددهم بقوله «ها ارجعكم تركبوا عجل». أي أن الدولة هي التي نقلتهم من راكبي دراجات إلى راكبي مرسيدس وبورش وهامر وجاجوار.. وهي القادرة على إرجاعهم للفقر القديم.
والحقيقة أن عهد السادات- مبارك أو الأربعين سنة الأخيرة لم تكن بداية موت السياسة. فقد سبق هذه العقود الأربعة تسلط سياسي طويل يزيد عمره على المائة عام، بدأ فصله الراهن بما ذاقه حزب الوفد من مرارة الاستبعاد في العهد الملكي، عندما كان حزب الأغلبية ومحروما، معظم الوقت، من أداء دوره الطبيعي بسبب تدخلات الملكين فؤاد وفاروق. وبعد ذلك عرفنا الاستبداد السياسي في عهد الاتحاد الاشتراكي. لكن الأربعين سنة الأخيرة كانت وطأتها أشد لأن الاستبداد اقترن بالفساد وبلغا ذرى غير مسبوقة.
وفي زمن السادات - مبارك فرض النظام الدولي على القيادة السياسية تعددية سياسية واقتصادية لم يكن يريدها النظام ولم تكن البلاد جاهزة لها. فصاغ النظام، تعددية شكلية أمسك الرئيس بزمامها، لدوافع كانت وطنية وعادلة ثم تغيرت الأمور وانتهت إلى فشل وفساد، وراح يوزع الامتيازات السياسية والاقتصادية بالطريقة التي ظنها حامية للسلام الاجتماعي ولاستقلال القرار السياسي.
فهل تغيرت الظروف على نحو يسمح بتعددية هي وحدها القادرة على تفعيل الإرادة الشعبية وعلى الحيلولة دون موت السياسة؟  لم يتغير شيء، بل يمكن أن يتفاقم الوضع لأن الحرب على الإرهاب – وهي اليوم ضرورة حيوية كما كان العمل على تصفية آثار عدوان 1967 ضرورة حيوية - تعطي الجهاز التنفيذي مبررا لتغوّل يمكن أن يميت السياسة على النحو الذي عرفناه من قبل، وربما بدرجة أشد قسوة، ولأن المجتمع الدولي بمؤسساته التمويلية يطالب اليوم بدور كبير للدولة في توجيه الاقتصاد: يعني الهيمنة التي قد تميت السياسة بتهميش الفعاليات الحزبية والأهلية قد تصبح على عينك يا تاجر وليس من تحت لتحت كما كانت في زمن السادات- مبارك. ويمكن توظيف هذه الهيمنة لمصلحة الأمة، ويمكن أيضا أن تكون مدخلا لتكرار تجربة مبارك، ولو في غيبة رجال مبارك.
وإذا حدث ذلك فسوف يساعد عليه ضعف الأحزاب في الشارع. فضعف الأحزاب ليس وهما وليس إشاعة روج لها نظام مبارك بل هو واقع قديم ومزمن. وما يجري اليوم من محاولات لإنشاء تكتلات حزبية يمكن أن يعوض، ولو نسبيا، عن ضعف الأحزاب. لكن سيبقى

لزاما على هذه الأحزاب أن تعمل على توسيع قواعدها الشعبية وعلى تحسين أدائها.
ولن يكون هذا الأمر سهلا إلا إذا كانت القيادة السياسية مقتنعة وراضية بالفلسفة السياسية الجديدة  التي يقوم عليها دستورها وهي فلسفة الشراكة بين الرئاسة والبرلمان. منذ عصور الخلفاء والسلاطين والأمراء ورئيس الدولة يشار إليه باعتباره «ولي النعم» أي الرجل الذي يوزع الامتيازات السياسية والاقتصادية وفق مشيئته ومن دون أن يكون له شريك. وبالتالي يبقى كل حزب مقيدا بحدود يرسمها له ولي النعم، وتبقى القوى الأهلية في مجملها مقيدة بإرادة هذا القادر الأعظم. وما لم يكن حول الرئيس مستشارون نزيهون وفاهمون لحقائق العصر الجديد، عصر الجماهير، فسوف تبقى الشراكة مع البرلمان غير مستساغة لدي صانع القرار، وسوف يواصل الجهاز التنفيذي سياسات إضعاف وتفكيك وتسفيه الأحزاب.
نحن في انتظار الخطوة الأولى من جانب فخامة الرئيس، بتعيين طاقم استشاري رئاسي من الشباب المؤمن بعصر الجماهير وبأن أخطر ما في الجماعات الأصولية المدحورة هي مصادرتها للإرادة الشعبية. الإرادة الشعبية عند دعاة الاستبداد الأصولي شرك بالله.. والإرادة الشعبية عند دعاة الاستبداد العلماني ترف سياسي يضعف المواجهة مع الإرهاب والحرب ضد الفقر والتخلف.
ونحن لا نريد الانتقال من تبرير الاستبداد والفساد بمبررات أصولية إلى تبريره بمبررات علمانية. الاستبداد وما ينجم عنه من فساد مرفوضان في صورتيهما الأصولية والعلمانية. والمطلوب ديمقراطية نلخصها في تدافع سلمي يحل محل الصراعات المسلحة..في تضامن يقوم على التعددية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. الضامنة لسلامة الحاكم والمحكوم معا.
نحن في «عصر الجماهير»، كما قال جلال أمين قبل 2011. وفي عصر الجماهير لاغنى عن السياسة، فموت السياسة إقصاء للجماهير.. وفي عصر الجماهير لا مكان لـ«الزعيم الملهم» أول «ديمقراطية الموافقة» (بتعبير هيكل بعد النكسة) كما كان الأمر في زمن الناصرية، ولا لاستبداد الطليعة الثورية وفق «الديمقراطية المركزية» كما بشر بها الشيوعيون، ولا لتسلط مكتب إرشاد «الجماعة الربانية» كما يريد الإخوان، ولا لـ«ولاية الفقيه» الشيعية. في عصر الجماهير لا حياة إلا بالعمل السياسي الحي والحر والفعال الذي تُنتخب عناصره عبر تدافع سلمي في ظل توافق وتضامن اجتماعيين شاملين.
باختصار شديد: في عصر الجماهير موت السياسة يعني موت الأمة.

ا