رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

النشار رائدا للتنوير

مقالات الرأى

الجمعة, 24 أكتوبر 2014 21:54
دكتور/ محمد ممدوح عبدالمجيد

لمَا كان العقل هو سر التكريم ومناط التفضيل، بل سر هذا الوجود بأسره، وهو محك المسئولية والحساب، فإن الحضارات الإنسانية بأسرها كانت حضارات عقل قبل القوة، بمعنى أن العقل هو الذى بناها وشيد مجدها‘ ثم جاءت القوة المادية والعضلية لتنفذ ما شيده العقل من إبداعات فكرية لا يقوى عليها غير هذا المخلوق الذى كرَمه الله وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاُ...
ثم بدأت مسيرة تمجيد العقل والاحتفاء به، فاليونانيون القدماء الذين شيدوا حضارات ملأت  الدنيا فكراً وأدباً وفلسفة، احتفوا بفلاسفتهم وشعرائهم فكتبوا على قبر سقراط» سقراط الخالد الباقى.. أعظم من أنجبت أثينا» وكتبوا على قبر أرستوفانيس» لم تجد آلهة المحبة معبداً تودعه المحبة أفضل من قلب أرستوفانيس».

ومن منطق تقديس العقل واعتباره مناط التقدم والتخلف، جاء الفلاسفة على مر العصور ليحملوا لأوطانهم مشاعل الرقى والتقدم، سواء كان مادياً أم أخلاقياً أم أيديولوجيا، فالكل أتى بحلم واحد وغاية واحدة، تلكم هى غاية إسعاد البشرية..
ويأتى الدكتور مصطفى النشار رئيس قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، نموذجاً لهؤلاء الفلاسفة الذين حملوا مشاعل التنوير وهموم الوطن، فانشغل بالإجابة عن سؤال واحد» كيف تتقدم مصر».
والإجابة عن هذا السؤال تقتضى العودة إلى ذى بدء، إلى بيئة هذا الرجل التى جاء منها ومراحله التعليمية  التى مر بها لنربط بين الفيلسوف وظروف مجتمعه..
ولد الدكتور النشار فى الثلاثين من سبتمبر لعام 1953م بإحدى قرى مدينة طنطا بناحية الغربية، شأنه شأن أطفال الريف الذين يذهبون إلى الكُتاب لحفظ القرآن الكريم ثم التدرج فى السلك التعليمى حتى كانت الفلسفة هى محط اختياره ومناط آماله، فحصل على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة قسم الفلسفة

بتقدير ممتاز عام 1972م وهو مالم يحدث من قبل سوى فى حكم النادر، ثم حصل على الماجستير من نفس الجامعة عام 1982م بتقدير ممتاز ثم حصل على الدكتوراه  فى الفلسفة عام 1982م بمرتبة الشرف الأولى.
عمل الدكتور النشار كمدرس للفلسفة بجامعة القاهرة، ثم تدرج فى السلك الوظيفى إلى أن حصل على درجة أستاذ للفلسفة اليونانية، ثم أُعير للعمل بجامعة الإمارات العربية المتحدة لمدة ست سنوات، ثم عاد ليتقلد منصب العمادة فى العديد من الكليات الجامعية داخل جامعة القاهرة، وفى جميع تلك المراحل كان اهتمامه الأساسى منصباً على تأليف الكتب الفلسفية والفكرية والثقافية والتى تعدت الستون مؤلف وطُبعت بالعديد من الدول العربية.
ونحن إذ نذكر جزءاً يسيراً من رحلة الرجل العلمية، لنقول لشباب أمتنا العربية، هؤلاء هم القدوة بحق، وفلسفتهم جاءت كتعبير عن خلفيتهم الاجتماعية وظروف  وطنهم السياسية.
لقد عاش الدكتور النشار النكسة، وعاها بعقله.. ودمى لها قلبه.. وتحسّر عليها فؤاده.. ثم خرج فى المظاهرات مع الطلاب لمطالبة الراحل السادات بالحسم، إلى أن تم الحسم فى أكتوبر العز والكرامة 1973م، وارتفع العلم المصرى ليرفع معه رؤسا عربية لم تنم الليل منتظرة بزوغ فجره.
لقد وقع الدكتور النشار بين فكين ضاريين، فك الألم الذى اعتصر قلبه سنوات شبابه الباكر بوقوع مصر فريسة للاحتلال، وفك الأمل فى بناء نهضة حقيقية مصرية خالصة المنبع عربية المصب، وما بين هذين الفكين خرجت فلسفته لتملأ
الدنيا نوراً وفكراً وتنويراً، فكان شغله الشاغل كيف تنهض مصر، يقيناً منه بأن مصر هى قلب العالم العربى، ورسوخ عقيدة لديه بأن مصر إذا ما عادت لمحوريتها وسابق عهدها الذى كانت فيه سيدة للعالم، قام العرب بأسرهم متكئين على مصر، فمصر لهم مصدر للقوة والمنعة، كما أنهم بالنسبة لها مصدر للرحمة والعطاء.
وينادى الرجل بأعلى صوته « التعليم هو سر صناعة أى نهضة»، ثم يكرر النداء فى كتابه «فلسفة التعليم» ليخبر القاصى والدانى بأن التعليم هو بوابة المستقبل..
ثم يستمر الدكتور النشار حاملاً لمشاعل التنوير فيتحدث عن العولمة وجوانبها الإيجابية ويحذر من سلبياتها فى كتابه «ما بعد العولمة»، مشاركةً  فاعلة منه فى الاستفادة بكل ما شيده عقل الإنسان.
ولم يهدأ الدكتور النشار إبان ثورة الشباب فى يناير 2011م، بل وقف إلى جوار هؤلاء الشباب مؤيداً لأعظم مطلب من وجهة نظره، العدالة الاجتماعية، فكتب عن العدالة، وطار إلى عدة دول كان آخرها ألمانيا ليحاضر فى مؤتمرات عن العدالة، ويرتفع صوته بالنداء، حتى أصبح من المغضوب عليهم فى حكم الإخوان ...
وبعد أن ثارت ثائرة الشباب الغاضب ضد حكم الإخوان، حمل الدكتور النشار مفاتيح لحل الأزمة، والتى كانت أزمة ثقة بالأساس، فكتب مقالات متتابعة فى جريدة الأهرام المصرية، ضمنها كتابه «بين قرنين»، مطالباً الرئيس السابق محمد مرسى بالانصياع لرغبات الشعب والاستجابة لمطالب الثوار وعزل رئيس الوزراء وتشكيل حكومة تكنوقراط يكون أعضاؤها ذوى قدرة كاملة على إدارة شئون البلاد التى تنتقل من أزمة إلى أزمة أشد، ومن مشكلة إلى مشكلة أكبر.
ولم يتوقف الدكتور النشار يوماً ما، فلا تمر سوى برهة قليلة ونجده يخرج علينا بمقال ثورى، أو بكتاب فكرى، أو ببحث فلسفى، ليدلل بعمق أن التنوير صنيعة العقل، وأن الوطن العربى لم يعدم عقل وإخلاص مفكريه، وليظل اسم الدكتور النشار محفوراً فى قلوب الفلاسفة والمثقفين كأحد أبرز رواد التنوير فى مصر، ولعل نداءاته المتكررة فى فلسفة التقدم وتحديث مصر، وفى فلسفة التعليم تجد لها آذاناً صاغية يوماً ما، ولعله يكون قريبا، فالأمل كله فى الله، وكان ربك قديراً.
 

ا