رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

على أعتاب العصر بعد الأمريكي

مقالات الرأى

الخميس, 09 أكتوبر 2014 21:54
بقلم: أسامة الغزولي

في مقالة له بعنوان: »الصهيونية واستياءاتها» (نيويورك تايمز في 29يوليو/تموز 2014) يستعيد روجر كوهن ذكرى أحد أسلافه وهو حاخام طاف ،في العام 1916،بكل ميدان حارب فيه جنود صاحبة الجلالة البريطانية ،لأداء مراسم الدفن للجنود والبحارة اليهود ،وليتأكد من أنهم أدوا واجبهم. وما أذكره أنا هو أن جدي الريفي المعدم ،حاول الانخراط في خدمة السلطة العسكرية البريطانية في الحرب العظمى ،ليس لأنه أحب بريطانيا أو كرهها ،ولكن لأن الانضمام لخدمة فيلق الجمال الاسترالي أو النيوزيلاندي كان فرصة للحصول على وظيفة كان شديد الحاجة إليها ،ولم يوفق إلى الفوز بها،لأن فقدانه إحدى عينيه جعله غير صالح للخدمة.لكن آلافا غيره جندتهم السلطة البريطانية ،على غير إرادة أكثرهم ،وحاربوا معاركها خارج مصر. يقدر روجر كوهن عدد القتلى من الجنود اليهود البريطانيين ،في معارك الحرب العظمى (1914-1918 )بألفين وثلثمائة. أما من ماتوا ومن شردوا من العرب الذين ألقى بهم البريطانيون في أتون تلك الحرب فمن يعرف أعدادهم؟ من يذكرهم؟ لا أحد.

لكن يتعين أن نتذكر أن دولنا الوطنية ،المهددة اليوم بالسقوط ،كان ميلادها بعض ثمرات الحرب العظمى. وبالمثل فقد حصل اليهود على مكافآتهم –من رصيد غيرهم - قبل أن يكتمل عدد الضحايا الذي أشار إليه روجر كوهن ،بصدور وعد بلفور والتهيئة لقيام إسرائيل ،التي جاءها اليهود ،أو سيقوا إليها ،من مختلف أنحاء العالم. وربما كان بينهم رجل يدعى «فيكتور مملوك» ، اليهودي المصري الذي اشتغل مع أبي بتهريب مواد كيماوية للصباغة ،كان تداولها خاضعا لقيود صارمة ، فرضتها مصالح بريطانيا.وانتهت الحرب ،فانضم أبي لمنظمة سرية اسمها «جماعة الإخوان المسلمين» أوهمه قادتها وأوهموا شبابا كثيرين مثله أنها معادية للهيمنة البريطانية على مصر. واختفى فيكتور مملوك ويرجح بعض من

عرفوه أنه سافر إلى فلسطين، حيث انضم لمنظمة سرية مناهضة لسلطات الانتداب البريطاني. كانت تلك مرحلة تحولت فيها شعوب كثيرة ،وبينهم العرب واليهود ،من اللهاث وراء بريطانيا إلى مناهضة نفوذها ،لصالح النفوذ الأمريكي.
في تلك الفترة التقى الضابط المصري في حرب فلسطين ،جمال عبد الناصر ،وضابط الاستخبارات الإسرائيلي يروهام كوهن ،الذي أشار إليه عبد الناصر في مطلع مسيرته كزعيم لبلادنا،في الصفحة السادسة من كتابه «فلسفة الثورة» ،بقوله :
«منذ أشهر قليلة قرأت مقالات كتبها عني ضابط إسرائيلي اسمه يروهام كوهين  هكذا كتب عبد الناصر الاسم الأول للضابط الإسرائيلي ونشرتها له جريدة جويش أوبزيرفر وفي هذه المقالات روى الضابط اليهودي كيف التقى بي أثناء مباحثات واتصالات عن الهدنة  ،وقال :
«ولقدكان الموضوع الذي يطرقه جمال عبد الناصر معي هو كفاح إسرائيل ضد الإنجليز ،وكيف نظمنا حركة مقاومتنا السرية لهم في فلسطين وكيف استطعنا أن نجد الرأي العام في العالم وراءنا في كفاحنا ضدهم».
إشارة عبد الناصر إلى علاقته بالضابط الإسرائيلي في «فلسفة الثورة» الذي يعد »مانيفستو» الحقبة الناصرية  تؤكد صحة ما ذهب إليه السياسي البريطاني المحافظ أنتوني ناتنغ (وفي روايات أخرى مبعوث أيزنهاور للمنطقة إريك جونستون)عندما قال لرئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون إن الزعيم المصري يريد سلاما مع إسرائيل. والباقي كله معروف: فعل بن غوريون كل ما بوسعه لإحباط  التحركات السلمية الحذرة التي انخرط فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي موشيه شاريت ومن بعده ليفي إشكول،من جهة ،والزعيم المصري جمال عبد الناصر ،من
جهة ثانية.
التفسير الأقرب لحقائق التاريخ لفشل محور السلام المصري - الإسرائيلي هو أن صقور إسرائيل بقيادة رئيس وزرائها المؤسس ديفيد بن غوريون وربما بتوجيهات من القوى الصهيونية في نيويورك كانوا أقدر من عبد الناصرعلى فهم مقتضيات العصر الجديد ،العصر الأمريكي ،وعلى صوغ دور إقليمي لإسرائيل يناسب هذه المقتضيات. وبانتصار إسرائيل في 1967 على مصر وسوريا والأردن ضمن صقور إسرائيل لدولتهم مكانا مطمئنا داخل الامتداد الشرق أوسطي للسلام الأمريكيPax Americana الذي استمد جانبا كبيرا من مشروعيته من نهوض واشنطن بأعباء اللعبة الكبرى The Great Game في الشرق الأوسط ،ابتداء من فبراير /شباط 1946،عندما أبلغ الهوايت هول السفارة الأمريكية في لندن ،وفق رواية مايلز كوبلاند في «لعبة الأمم» ،بضرورة أن تحمل الولايات المتحدة عن بريطانيا العجوز ،المرهقة والمتعسرة ،وزر مواجهة التمرد الشيوعي في اليونان.
وعلى رغم ما يجري اليوم بين روسيا وأوكرانيا فاللعبة الكبرى انتهت ،منذ ديسمبر/كانون الثاني 1991. ودور الاتحاد الأوربي ،في العالم وفي الشرق الأوسط ،يتعاظم.ويتعاظم كذلك دور الدول الإقليمية مثل تركيا والسعودية والإمارات وقطر ،ومصر بما تفعله للفلسطينيين والإسرائيليين ،وبما تحاول أن تفعله لليبيين. هل ينحسر السلام الأمريكي عن الشرق الأوسط ؟ توقع روجر كوهن ،قبل سنوات ،أن تخرج أمريكا ،كلية ،من الشرق الأوسط في العام 2019.
هذا يعني أنه قد تكون بيننا وبين نهاية العصر الأمريكي خمس سنوات. فهل تكون نهاية العصر الأمريكي مثل نهاية العصر البريطاني لهاثا وراء قوة جديدة طالعة ؟لا أظن.
على أية حال كل ما نميزه من ملامح العصر الجديد هوالاستعجال الشديد من قبل أطراف عديدة على حجز مقاعد لها على قطار العصر الجديد الذي ستكون في الشرق الأوسط بعض أهم محطاته . ومن المحطات المهمة الجديدة كردستان التي تولد بقوة جنون داعش وربما إلى جوارها دولة داعش التي تولد بقوة جنون الحروب الأهلية المطولة في سوريا والعراق.
ولكن مصر تبذل جهودا جبارة اليوم ليكون بين المحطات الجديدة القديمة العراق أو ما يتبقى منه..وسوريا أو ما يتبقى منها..وليبيا كاملة متماسكة.وفيما تصنع مصر كل ذلك فهي تفعل شيئا معقدا وصعبا وضروريا: تؤمن الداخل بتأمين الجوار. هذا قدرك يامصر: أن تبقي للأبد يدا تبني ويدا تحمل السلاح.


 

ا