رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

من أجل الحياة في فلسطين وإسرائيل

مقالات الرأى

الأربعاء, 20 أغسطس 2014 20:47
بقلم: أسامة الغزولي

تنزف غزة دما في وقت أصبح فيه نزيف الدم البشري حالة معتادة في المدن والقرى العربية التي رزقت بالفوضى منذ أكثر من ثلاث سنوات. فهل هذا هو السبب في أن التضامن العالمي القوي مع ضحايا الوحشية الإسرائيلية من الفلسطينيين هو في أدنى مستوياته في العالم العربي؟

سألت صديقا لي: أتدري كم بلغ عدد الضحايا من العرب واليهود، جراء العنف الدائر في فلسطين التاريخية الآن؟ ورد علي الصديق: أتدري كم بلغ عدد الضحايا في «الربيع العربي» الكابوسي الذي يفاجئنا كل يوم بمآس جديدة في مصر وليبيا وسوريا واليمن، وفوق كل ذلك في العراق؟
فتحت فمي لأسأل سؤالا آخر فأسكتني بقوله: كل ما نشهده من جنون اليوم، في مختلف أنحاء العالم المسلم، وفي كل بقعة من العالم مبتلاة بالإرهاب الأصولي، هو جنون خرجت شياطينه من تحت عباءة رجل واحد تقرأ اسمه في أول سطر، بعد كلام الله مباشرة، من ميثاق الحركة التي أشعلت حرائق غزة. الرجل هو حسن البنا والحركة هي حركة حماس التي قالت في المادة الثانية من ميثاقها: «حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين. وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي، وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث».
لكني لم أسكت. قلت له: أنا أتحدث عن رد الفعل الإسرائيلي المتجبر الذي يقابل صواريخ عشوائية قليلة الفاعلية بآلة حرب جبارة تفتك بالمدنيين، من أطفال وشيب وشباب، وبأضعاف من تقتل من المسلحين الفلسطينيين. وأتحدث عن موت ورعب على جانبي الخط الفاصل بين العرب والإسرائيليين. أعلم أن الغضب الذي يجتاح العالم ربما يوظف لصالح تكريس كيان في غزة قد يتمدد على حسابنا نحن في سيناء، لندفع نحن ثمن العنصرية الإسرائيلية، والتخبط السياسي الفلسطيني. لكني لا أستطيع تجاهل

بشاعات الحاضر خوفا من مشكلات أنا واثق من قدرة قياداتنا السياسية والعسكرية على مواجهتها في المستقبل. الواجب يقتضي منا وقف نزيف الدم –العربي والإسرائيلي –أولا، وبعد ذلك نواجه تعقيدات الوضع العبثي الذي خلقه المشروع الصهيوني العنصري وفاقمه عجز الفلسطينيين عن التعامل معه بعقلانية.
ولابد أن نقول مع الأسقف الجنوب أفريقي ديزموند توتو، وبطريقتنا التي تعدل بعض ما قال: نحن ضد الاحتلال الإسرائيلي الظالم. نحن ضد القتل العشوائي في غزة. نحن ضد ما يلقاه الفسطينيون من مهانة عند نقاط التفتيش والحواجز التي على الطرق العامة. نحن ضد العنف الذي يمارسه القتلة من الجانبين، ضد إرهاب الدولة الفلسطينية وضد الإرهاب الأصولي من المنظمات الأصولية الفلسطينية، وضد الاستيطان اليهودي على كل أرض عربية احتلتها إسرائيل في الخامس من يونيو 1967 أو بعده. لكننا لسنا ضد اليهود.
ولابد أن نكرر ما قاله  الأسقف لنساء ورجال من إسرائيل: أيتها الأخوات والاخوة، أرجوكم أن تعودوا إلى بلادكم بهذه الرسالة: غيروا مسار التاريخ لنحركه ضد العنف والكراهية بأن ننخرط جميعا في الحركة المناهضة للعنف، من أجل كل شعوب المنطقة.
ولابد أن نقول للفلسطينيين: أيها الأخوات والاخوة، البحث عن حل لهذه المعضلة باستخدام السلاح ليس سوى ضرب من العبث. كل ما تفعله الأسلحة هو أنها تعطي مبررا للجنون الأصولي، والجنون الأصولي هو ورقة التوت المهترئة التي تداري بها الصهيونية جرائمها العنصرية.
لنتوقف الآن، وإلى الأبد، عن عنف مسلح لاوظيفة له سوى تبرير الاستيطان والتجبر. ولنتعاهد جميعا على أنه لاتطبيع
مع إسرائيل إلا بعد أن تتوصل إلى تفاهم مع السلطة الوطنية الفلسطينية. وليكن هدفنا هو أن نوقظ في الإنسان الإسرائيلي إنسانيته التي خردتها القيادات الصهيونية المستفيدة من إشعال الحرائق. الصهاينة والأصوليون المسلحون وجهان لعملة واحدة. ويجب أن نوقف جنون الفريقين. كل إسرائيلي نكسبه لصالح السلام هو مكسب كبير لنا وللإنسانية، وكل ضحية – عربية أو يهودية – تسقط في هذا الصراع تمضي بنا بعيدا عن الحرية والكرامة والتعايش.
أعلم أن الوحشية التي يتصف بها الجيش الإسرائيلي قد تملأ الصدور بمشاعر لا إنسانية. وهذا بالضبط ما تورط فيه الفيلسوف الإيطالي الذي قال – ثم اعتذر عما قال- في مقابلة في برنامج إذاعي إنه يتمنى لو أن مزيدا من الإسرائيليين يلقون حتفهم. قد تقول لي: هذا رجل إيطالي لا تجمعه بالفلسطينيين صلة جوار أو عرق أو ثقافة، لكن ما يتعرضون له من وحشية جعله يتمنى لو أنهم سقوا الإسرائيليين من الكأس ذاتها. فما بالك بمن تجمعه بالفلسطينيين أواصر الجوار والقربى؟
لكني أقول لك: لا شىء يبرر الكراهية. لا شىء يبرر تجارة الموت. لنكن أنصار الحياة، الداعين إلى الحفاظ على حياة العرب واليهود، وعلى حقهم في الأمن والكرامة. لن يخرج اليهود من هذه المأساة سالمين إلا إن خرج معهم الفلسطينيون سالمين غانمين. ولن يخرج الفلسطينيون من هذه المأساة سالمين إلا وأيديهم في أيدي اليهود، والكل يمارس حقه المشروع في الحياة الحرة والكريمة.
أذكر أول مسيرة شاركت فيها في حياتي. أذكرها لأني لم أشارك في أعمال جماعية إلا نادرا. كان ذلك في عام 1953 وكنت في الثامنة من عمري، أسير في طابور طويل ضم أبي وأصدقاءه. كل من كانوا في الطابور كانوا أصدقاءه. وأذكر هتافا واحدا رددته بحماس: الموت في سبيل الله أحلى أمانينا. لم أر في بلادي هدوءا منذ ذلك التاريخ. ولم أر في الشرق الأوسط هدوءا منذ ذلك التاريخ. واليوم أتمنى لو غيرنا هذا الهتاف، هذا التمجيد للموت، لنهتف بدلا من ذلك قائلين: الحياة في سبيل الله أحلى أمانينا.
الحياة في سبيل الله هي مقاطعة المحتل والإرهابي معا، وهي الدعوة للسلام والتعاون، لخلق شرق أوسط جديد، يقوم على الأخوة الإنسانية وليس على صراع الهويات.
 

ا