رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مصر تراجع نفسها.. ولكن في إطار ثابت

مقالات الرأى

الأربعاء, 13 أغسطس 2014 22:22
بقلم: أسامة الغزولي

لا معنى للمراجعة إلا إذا كنا مقبلين على مرحلة جديدة من تاريخنا. وهذه مرحلة جديدة. فالرئيس القائم اليوم لم يدخل معترك العمل السياسي إلا بعد الحصول على تفويض شعبي، وهو بذلك يحمل عبئا أثقل مما حمله أسلافه. وعلى رغم أن العهد الجديد سيكون امتداداً لتعددية وانفتاح وبراجماتية السادات –مبارك أكثر مما هو امتداد لصدامية  جمال عبد الناصر ومثاليته الوطنية والخلقية، فالعهد الجديد سيطور لنفسه ملامح جديدة، لأن التحديات التي يواجهها جديدة.

في هذه الحدود تكون المراجعات ضرورية، لنبقي على ما هو نافع من موروثات العهود السابقة، ولنتخلص مما هو أحمال زائدة أو مكونات ضارة.

وتتابع الأمة المصرية اليوم المراجعات في أشكال مختلفة. منها المرافعات التي نشهدها اليوم في إطار ما يسمى محاكمة القرن، وهي مراجعة لبعض تاريخ علاقة الدولة بالمواطن وتقويم لمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين واجباتها وبين حقوق المواطن عليها.

ونشهد هذه الأيام أيضا مراجعة لما اكتسبه خبراء الشئون الدينية وفنانو الاستعراضات الدينية في برامج التوك شو، الذين ورثوا عن القرون الوسطى لقب العلماء، قبل أن تظهر الجامعات الحديثة وقبل أن تنشط عندنا المراكز الأكاديمية والبحثية بعد سبات قرون طويلة. وبالتالي فقد أصبح استئثار هؤلاء باسم «العلماء» أمرا غريبا، وربما أصبح من المشكوك فيه أن يشار إليهم بهذا الاسم أصلا. فالعلم غير المعرفة. العلم هو المعرفة التي يمكن إثباتها أو نفيها. المعرفة بالكيمياء علم. المعرفة بالفيزياء أو بالأحياء أو بالرياضيات علم. هذه علوم لأن العقل يتصرف بها وفق قواعده وبكل حريته، ومنها لجؤوه مختارا إلى الخيال.أما المعارف الدينية فهي معارف لا يتعامل معها العقل أو الخيال  إلا ضمن حدود مرسومة، ووفق ضوابط يخضع لها العقل

والخيال، في حين لا تخضع هي للعقل أو للخيال بقدر ما تخضع للنقل والامتثال. وليس هذا أمرا سيئا أو مرفوضا. فالعقل ليس السبيل الوحيد للمعرفة، وإن كان السبيل الوحيد للعلم. والعقل والعلم ليسا كل ما يحيا به الإنسان: الإنسان يحيا بالعلم وبالعقل وبالخبرات الموروثة وبالخيال وبالغريزة وبالروحانيات وبالتشوّف إلى المجهول.

وتشهد بلادنا أيضا مراجعة لعلاقة السلطة برأس المال، وقد رسم الزميل محمد صلاح، في جريدة «الحياة» اللندنية، صورة سريعة لملامح العلاقة الجديدة بين الدولة وقيادات البزنس. وقد عشت في مطلع عهد الرئيس مبارك مأساة سميت باسم «قضية الجبنة الفاسدة» وهي مؤامرة دبرتها السلطة لبعض كبار رجال الأعمال ،لمجرد أن النظام الجديد أراد تغيير قيادات المشهد السياسي والتجاري ،بطريقته البوليسية التي كان لا يجيد غيرها. ورغم أن أبي كان «تاجر بلدي على قد حاله» فقد ورط نفسه في هذه القضية دفاعا عن رجل أعمال من أصدقائه كان يؤمن هو ببراءته. وعشنا بسبب ذلك سنوات من الرعب انتهت بإصابة أمي بالمرض العضال الذي أودى بحياتها.

أنا واثق أن أسلوب الدولة في التعامل مع المواطنين سيكون في العهد الجديد، أقرب إلى روح القانون بأكثر مما كان في أي عهد مضى. هناك تغييرات لا مهرب منها. وعقول الناس وخيالاتهم تغيرت بعد 25 يناير إلى حد يصعب الآن تحديده، ولكن يستحيل القبول بما كان كما هو. أتوقع تغييرا في تفصيلات مهمة ،مع تثبيت للأطر العامة. هذا هو

النهج المصري القديم والموروث: تطوير ضمن حدود ثابتة قدر الإمكان، وبروح أقرب للدين المستنير منها للعلم.

ولتلمس ملامح الإطار العام أقترح النظر في قائمة الأعياد الرسمية لنكتشف حقائق مدهشة، أهمها أن اليوم الوطني مازال كما هو: الثالث والعشرون من يوليو. وأن يوم 25 يناير مشترك للاحتفال بيوم «الثورة» التي وقعت في ذلك اليوم من عام 2011 وللاحتفال بعيد الشرطة. فهذه الثورة، إذن لها نصف عيد، وليست هي اليوم الوطني. لكن الأهم أنها مشتركة مع الشرطة وهذا تأسيس رمزي لعلاقة جديدة بين الشعب والشرطة ،بين قوى التغيير وقوى التثبيت.

ويمكن إضافة نصف يوم 25 يناير المخصص لـ «الثورة» إلى يوم عيد العمال ،باعتبارهما يومين مدنيين ،لا هما للدين ولا للدولة، فتكون حصة المجتمع المدني يوما ونصف اليوم.

أما العقيدة المسيحية فلها يوم عيد الميلاد المجيد ولها نصف يوم مشترك مع بقية الثقافات المصرية، وهو يوم شم النسيم. وهذا يعطيها يوما ونصف اليوم، مقابل عشرة أيام من الأعياد الإسلامية ،علما بأن الشائع أن المسيحيين يمثلون عشرة بالمائة من السكان ،لكن ليس في مصر من يتكلم عن محاصصة.

وللدولة نصف يوم 25 يناير الذي تتقاسمه شرطتها مع قوى الثورة ،وما يساوي نصف عيد بجعل يوم تحرير طابا يوم عطلة لطلاب المدارس والجامعات ،ولها يوم تحرير سيناء في 25 إبريل واليوم الوطني في 23 يوليو وعيد القوات المسلحة في 6 أكتوبر. وهكذا فللدولة أربعة أيام منها يومان ونصف اليوم ،في مناسبات ساداتية – مباركية، وهي أيام تكتسب قوتها من أنها يوم تحرير الأرض وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. والباقي من العهد الناصري هي أيام ذات دلالة وطنية عامة وباقية بقوة تجاوزها لتوجهات عهد بعينه.

هذه الأعياد هي أقوى ملامح الدولة المصرية التي نعيش فيها اليوم. وفي هذا الإطار سوف تدير الدولة  العمل الوطني في المرحلة الجديدة.

في أول عهد مبارك كتبت رأي الجمهورية بتكليف من ناجي قمحة. وصفت العهد الجديد بأنه: تغيير في إطار ثابت. ورفض ناجي قمحة نشر ما كتبت، هاتفا: مبارك سيقود ثورة شاملة.

مصر تعرف التحولات التدريجية، ولا تقبل – لأنها لا تحتمل – الثورة الشاملة.

ب