القيامة.. حب وصفح وغفران

مقالات الرأى

السبت, 19 أبريل 2014 22:02
هانى عزيز

يحتفل الأقباط في هذه الأيام المباركة بعيد القيامة المجيد، بعد انتهاء فترة صوم هي الأطول علي مدار العام، هو الصوم الكبير الذي يستمر خمسة وخمسين يوماً، وآخر أسبوع من هذا

الصوم هو أسبوع الآلام وهو أقدس أيام السنة والذي تمتلئ فيه الكنائس بالمصلين رافعين صلواتهم طالبين من الله أن يباركهم ويبارك ويعطى الطمأنينة والسلام لهم ولبلادهم التي يعشقون ترابها، ومنها تكون فرصة جيدة لنشر مظاهر الحب والابتهاج والتسامح بين بعضهم البعض وبين إخوتهم المسلمين الذين دائماً وأبداً ما يجتمعون في السراء والضراء علي حد سواء.
فالقيامة هي رسالة لكل مسيحيى بأن يتمسك بتعاليم المسيح التي تحض علي الحب والعطاء وبذل الذات من أجل الآخرين، وبذل النفس حتي الموت، فالمسيحية قائمة علي التضحية من أجل الآخرين، وبدون تضحية لا يكون الشخص مسيحيًا، التضحية من أجل الجميع بغض النظر عن العقيدة والانتماءات الأيديولوجية أو السياسية.
والقيامة هي مد جسور الحب والتفاهم وقبول الآخر وصنع السلام، لنتغلب علي سوء الفهم الحاصل في المجتمع، خاصة من البعض، فما أحوج مصر هذه الأيام إلى الحب، علينا أن نساهم في إرجاع السلام لوطننا مصر من خلال أفعالنا، أن نبعد عن مسببات العنف الذي ضرب بجذوره في المجتمع.
القيامة في معناها الحقيقي أن يتغير الإنسان إلي طبيعة أخرى، غير التي كان عليها، الطبيعة التي كانت تحمل الكراهية والبغض لأخيه الإنسان ولنفسه. طبيعة جديدة تختبر وجود الله في وجودها وفي أفعالها، وهي الحرية الحقيقية التي يبحث عنها الإنسان، هي الانتصار علي الذات وشهواتها. وأذكر تعريف لقداسة البابا شنودة الثالث، رحمه الله، لمعنى القيامة بأنها «الانتصار الحقيقى الذي ينتصر فيه الإنسان علي نفسه وليس على غيره، فلا يعتقد الإنسان أن هزيمة عدوه هو انتصار له».
فالانتصار الحقيقي للإنسان هو أن يغفر ويصفح عن أخيه الإنسان ولا يحمل له بغضة أو كراهية، رغم أنه يعرف أن هذا الإنسان

يستحق العقاب، فهو اعتراف بأننا كلنا ضعفاء وفي حاجة إلي غفران الله أولاً وأخيراً، ومن ثمة يدرك الإنسان أن صفحه عن أخيه الإنسان هو ثمن بسيط مقابل غفران الله لأخطائه الكثيرة بحق الله وأخيه الإنسان. الحب والغفران هما الانتصار الحقيقى وهما أحد نتائج القيامة.
القيامة هي أن تكون إنساناً روحياً وإيجابياً قادراً علي أن تنتصر علي الضيقات والمشاكل، فالمشاكل لا تهزه ولا تهزمه، ولا تُضعِف معنوياته، ولا تُعكر نفسيته، ولا تلقيه في دوامات من القلق والاضطراب والشك، إنه ينتصر علي المشاكل بالإيمان وبالصلاة وبالصبر، ولا يضيق قلبه بها، ولا يفقد سلامه بسببها، وهو لا ينتصر فقط علي الضيقات بالاحتمال، بل بالأكثر يفرح بها، لأنها تقدم له خبرات جديدة بمعونة الله له، ويرى أن كل الأشياء تعمل معاً للخير لكل الذين يحبون الله.
أعزائى القراء.. يأتي عيد القيامة المجيد هذا العام وسط تهديدات إرهابية باستهداف الكنائس ومحاولة اغتيال قداسة البابا تواضروس الثاني وذلك من خلال أحد الانتحاريين بتفجير نفسه. هذه الخطط باستهداف الكنائس نراها كل يوم من خلال استهداف المواطنين ورجل الشرطة والجيش الذين يقومون بدورهم في حماية هذا الوطن. وهذه الخطط في اعتقادى الشخصى تأتي في إطار محاولة نشر الفوضى وبث الشائعات بأن هناك تقصيراً أمنياً في حماية الكنائس والأقباط وبالتالى ضرب العلاقة بين المواطن المصرى بشكل عام والقبطى بشكل خاص وبين الشرطة. وما يزيد من صعوبة الأمر علي الشرطة أن يحتفل الأقباط بجميع طوائفهم في نفس الوقت. فتأمين الكنائس في نفس الوقت ليس بالأمر الهين والسهل. ولذا فعلى المصلين أن يستجيبوا لتعليمات المنظمين من شباب الكشافة في الكنائس ورجال الأمن حتي يمكن منع بقدر الإمكان حدوث أي شيء يفسد فرحة المصريين بالعيد، فلنصلى أن يعبر بنا الله هذه الأيام العصيبة ويعبر ببلادنا الغالية مصر إلي شاطئ الأمن والأمان.

أمين عام جمعية محبى مصر السلام