الكل يريد.. والله يفعل ما يريد

مقالات الرأى

الجمعة, 18 أبريل 2014 22:02
بقلم ـ أحمد الطاهر:

في مسرحيته الخالدة «مأساة الحلاج» يقول صلاح عبدالصبور على لسان أحد أبطال المسرحية.. صندوق الدنيا والتاريخ على حبل غسيل.. كل التاريخ على حبل غسيل.. وهذه العبارة

العفوية الرائعة تفسر الكثير والكثير مما نعايشه في مصر والعالم العربي المنكوب بما سميَّ بثورات الربيع.. التي تحولت إلى كابوس بشع تتمنى شعوب هذه الدول أن تتخلص منه رغم أنها آزرت الثورات وخرجت مندفعة كالأمواج الهادرة تؤيدها وتناصرها وتضحي بالغالي والنفيس في سبيل نجاحها ولكي تتخلص بها من الأنظمة الفاسدة التي كانت جاثمة على صدورها لعقود ولم يكن هناك ثمة أمل في الخلاص منها والشعوب منكوبة في حياتها وفي آمالها وفي أحلامها وفي مستقبل أجيالها التي بين يديها دون بصيص من نور يقتحم ظلمة الحياة التي كساها الفقر والجهل والمرض في حين أن نسبة ضئيلة محظوظة من الناس تمتلك كل شيء وتعيش في بذخ ورغد من العيش يبعث على الحقد والكراهية من الطبقات الكثيرة الغالبة والتي تعيش شظف العيش وعلى هامش الحياة.. لدرجة أن رئيس مصر «اللامبارك» يقول يوما أمام مجلس الشعب وفي سخرية مستهجنة عن مبلغ خمسين مليوناً من الجنيهات «الواحد يتشبرأ بيهم» في حين أن الغالبية من الشعب تقف طوابير أمام أكشاك العيش المدعم تقتتل لتنال بضعة أرغفة لسد جوع من تعول.. فكانت الثورات المسماة الربيعية في عدد من الدول التي استشرى فيها جبروت الحكام وفساد أنظمتهم وعلى رأسهم تونس ومصر وليبيا ملاذا وأملاً في الخلاص من تلك الأنظمة لبدء مرحلة جديدة تسود فيها الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقيقية ولكي يذوق الشعب المطحون الغالب في كثرته حلاوة هذه الآمال الثلاثة الذي حرم منها لعقود عديدة مضت.. خاصة أهالينا في الصعيد الجواني وفي المدن الغائبة والمناطق البعيدة عن صُرة مصر.. قلب الدلتا.. مثل سيناء والنوبة ومطروح وغيرها.. لكن الآن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن.. وكان ما كان خلال ثلاثة أعوام مضت منذ ثورة يناير أرهق الناس أكثر وأكثر وتزايدت البطالة وتزايدت الأعباء على البسطاء والمهمشين دون بارقة أمل في غد أفضل.. ومازال المبسوطون وأثرياء الزمن الماضي سواء من الفاسدين أو من على شاكلتهم يعيشون عيشتهم الهنية وأيضاً مازال المخربون الذين عاثوا في البلد فساداً ينعمون بالحياة ويقبعون في السجون آمنين يأكلون ويشربون سواء كانوا من عهد المخلوع أو المعزول على اختلاف العهدين في التوجه وإن اتفقا معا على الشعب في افقاره وارهابه وبؤسه.. والشعب يريد الحرية والعدالة والديمقراطية والعيش الكريم وقدم في سبيل ذلك كل غال وعزيز منذ ثورته الأولى في 25

يناير وامتداداً لثورته الثانية المكملة في 30 يونية أملاً في تحقيق آماله وطموحاته ومستقبل أبنائه وأحفاده.. ولكن أنىَّ له ذلك والحرب معلنة عليه من الداخل والخارج لتحطيم آماله ووأد طموحاته المشروعة.. أما الحكومة.. كل الحكومات الخمس التي تلت ثورة يناير إلى اللحظة التي اكتب فيها هذا المقال لم تقدم للشعب الغالب المنكوب في حياته وصحته والعاطل والذي وصل لليأس بعد البؤس أي جديد يذكر.. والوعود تتوالى والآمال تعلو ثم تهبط مع كل وزارة جديدة والحال هو الحال.. كأن ليس في الأفق البعيد أو القريب أفضل مما هو كائن.. وهذا أشد القساوات على الإنسان المظلوم في بلده البائس في عيشه الضائع حقه قديماً وحديثاً دون بارقة أمل حقيقية ودون تطور واضح لمستقبله وحياته.. مما يدفعه هو وذويه إلى الضغوط واليأس والإحباط الذي يؤدي بدوره إلى ما هو أبشع وأخطر في كره الدولة والوطن والانحياز أو الانجرار تحت وطأة اليأس والحاجة إلى الأيادي الخبيثة العابثة بالوطن وآمنه واستقراره والتي تمتد لهذه الفئات المطحونة اليائسة فتجرها إلى الهوى والهوية وإلى الخراب الذي ليس بعده خراب، وهو ما يحدث.
وأما الإرهاب فقد أعلن عن نفسه دون جرح أو كسوف وكشف الستار الكثيف الذي كان يحجب ويموِّه به على العامة والبسطاء والمحرومين بعد أن انزاح حكمه بعد عام من الظلمة الموغلة في السواد والتي كادت تفتك بما بقى من أركان الوطن.. ولما انكشف أمره للعامة قبل الخاصة وبان على حقيقته على طريقة أغنية «سعاد حسني» في فيلم «شفيقة ومتولي».. بانوا على أصلكم بانوا.. ظهر القبح العنيف.. وانتشرت الفوضى المهلكة.. وهدد قادة الإخوان الإرهابيون الدولة والشعب بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا لم يعودوا للحكم مرة أخرى.. ونفذوا بالفعل تهديداتهم بعد أن يأسوا من العودة وها هي التفجيرات تتوالى والقتل لرجال الشرطة والجيش على أياديهم النجسة إلى كل ما نحياه ونشاهده.. حتى وصل الأمر للوقيعة بين الشعب وبعضه البعض في جنوب مصر، حيث يسكن النوبيون الأصلاء وقبائل الهلالية العربية الأصيلة.. وصل الأمر لزرع فتيل الفرقة والشقاق لكي يتناحر أبناء الوطن الواحد.. وتكون بذرة الحرب الأهلية التي يأملونها لوقف التقدم في خارطة الطريق واستكمال الاستحقاق الثاني بانتخاب رئيس شرعي للدولة ثم بعده انتخاب مجلس النواب.. ولكي نثق في الله علينا أن نطهِّر قلوبنا ونفوسنا ونعلي حق الوطن علينا ونضحي للوطن أيضاً، نزيد التضحية ولن يعيينا ذلك.. فكم ضحينا وكم شربنا من ماء عكر.. علينا أيضاً أن نتسامح مع أنفسنا أولاً ثم مع أهلينا ومع إخواننا في الوطن العزيز.