لعن الله من أيقظ الفتنة في أسوان

مقالات الرأى

الاثنين, 14 أبريل 2014 22:16
مستشار/ فتحي السيد رجب

 

كانت أسوان دائما بالنسبة لي حلم الطفولة والصبا وكل المراحل، وكنت أتمنى دائما زيارتها بين الحين والحين، ولكن الأماني لم تتحقق حتى الآن ولعل الظروف ومشاغل الحياة المتلاحقة والمتلاطمة كأمواج البحر كانت هى السبب، وذلك لأني دائما وأبداً أسمع عن أسوان البلد الطيب الجميل الهادئ - بأهله الطيبين ومبانيه البسيطة الجميلة الرابضة على ضفاف النيل - كما أن معرفتي بأهلها وما يتميزون به من دماثة في الخلق وصدق في التعامل وتعايش وتراحم.. كانت قد أحطت بها علماً من خلال مقابلاتي بالكثير منهم في القاهرة وبعض محافظات الصعيد، ولم يدر بخلدي يوماً أن يحدث في تلك المدينة العريقة ما يحدث فيها الآن من عنف وإسالة للدماء على نحو اهتزت له المشاعر واقشعرت منه الأبدان.

البقعة الطيبة احترقت فجأة بنيران مكتومة في الصدور، وفي البداية سيطرت علينا الدهشة وأصابنا الدوار وعدم تصديق ما يصلنا من أخبار بعضها كان عبارة عن شائعات وبعضها كان أخباراً حقيقية عن قتلى بالعشرات، لاحظنا أن الجميع ينبش في ماضٍ سحيق لا يستدعي سوى الكراهية والحقد والانتقام وسيطرت النعرات القبلية والعائلية والنزاعات القديمة، وحيث أبناء النوبة الذين تم ترحيلهم من أراضيهم القديمة بعد بناء السد العالي وتم تسكينهم في السهل الريفي، وحيث تميل طبيعة أهل النوبة كما علمت ومن معاملتي مع بعضهم للعزلة والانطواء على الأهل

والأحباب فلم يتقبلوا مشاركة القبائل العربية والصعيدية في أراضيهم الجديدة التي تم تهجيرهم من موطنهم الأصلي إليها، في نفس الوقت وصلت قبيلة الهلايل الراحلة في الأصل من رحلة معاناة شاقة بقرى ونجوع مصر للاستقرار والعمل كعمال تراحيل بمنطقة السد العالي بالإضافة لعدد من القبائل الأخرى، حيث تعايش الجميع في ود وإخاء على أرض تلك البقعة الطيبة، تعايش الجميع تحت وطأة النظام السابق نظام مبارك والقبضة الأمنية الحديدية والتي ضعفت عقب ثورة يوليو وتزايدت الجرائم حيث تضاءل العمل بالسياحة وانخفض معدل الأداء ولجأ معظم الأهالي للعمل في التجارة، ممنوعة وغير ممنوعة لتعويض فقدان مصادر رزقهم، فانتعشت تجارة المخدرات بين الصبية والشباب ناهيك عن انتشار السلاح وامتلاكه لعدد كبير من القبائل والعائلات كنوع من التباهي والتفاخر تارة وللحماية تارة أخرى.
في نفس الوقت لعبت بعض وسائل الإعلام الرخيصة والمنظمات المشبوهة على تغذية نعرات قديمة للنوبيين وأشعلت في داخلهم حلم العودة مرة أخرى لوطنهم الأصلي والذي يطلقون عليه أرض الذهب، فعادت مشاعر الظلم لأبناء النوبة ذوي الطباع السمحة بعد تهميش قضيتهم وترويجها من جانب العابثين بأشكال مختلفة خاصة في المجتمع الدولي، فاشتعل المشهد
وزادت الضبابية عقب ثورة يوليو التي أزاحت جماعة الإخوان الإرهابية وتنظيماتها الدولية وبقيت خلاياها النائمة لتأجيج الصراعات وتعيث في الأرض شقاقاً وفساداً حتى كان اليوم المشئوم والذي احتدم فيه القتال على أشده بين قبيلتي الهلايل والدابودية، حيث اختلط الحابل بالنابل وسقط القتلى والمصابون صرعى تلك النزاعات والتي ايقظها وأشعلها نفر من الشياطين لم يريدوا للبلد الطيب خيراً وانما يريدون خراباً ودماراً وتسابقت الحكومة وشيوخ القبائل لرأب الصدع ووقف نزيف الدماء بين طرفي النزاع بعد أن صار المشهد العام محزناً، حيث توقفت سبل الحياة العامة وأصيبت بالشلل التام وأغلقت المتاجر والمحلات وقبع الأهالي داخل المنازل خشية تطاير رائحة الدم من جديد خاصة وأن كل فريق يسعى جاهداً لتسليح نفسه بكميات هائلة من السلاح المهرب من السودان وليبيا.
ولأن التحريات أفادت بأن أحد المدرسين المحسوبين على الجماعة الارهابية، وهو من أشعل نار الحرب بين الطرفين، ومن عاث في الأرض فساداً ومن كتب على أسوار المدارس عبارات بذيئة تسئ لكل منها، فإن على أهل أسوان الطيبين وأهل النوبة الكرام أن ينتبهوا ويعودوا الى صوابهم وإلى طبيعتهم السمحة وخصالهم الكريمة وألا يدعوا شياطين الإنس من الجماعة الارهابية تشتت شملهم وتفرق جمعهم، فأنتم يا أحبائي أهل الجود والكرامة والسماحة حتى نرى دائما وأبداً أرض أسوان الطاهرة وبلاد النوبة العطرة تشع نوراً وبريقاً بأهلها الكرام البررة ولتظل تلك الأرض أصل الحضارة والطهارة.
ولتعلموا جميعاً أنه بعد أن فشل الإرهاب الدولي في إيقاع الوطن بسبب الضربات الأمنية الاستباقية من جانب قوات الشرطة والجيش الأبطال، صار يشعل الحرائق في أطراف البلاد رغبة في التشتت والانصراف عن بناء الدولة وعدم استكمال خارطة الطريق ولكن هيهات.. «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».