الشعب المصري .. وموجات الفقر

مقالات الرأى

السبت, 12 أبريل 2014 22:29
مصطفي الملطاوي

 

أوثر عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قوله «لو كان الفقر رجلا لقتلته» وقال في وصاياه لابنه الحسن بن علي رضي الله عنهما: يا بني استعذ بالله من الفقر فهو منقصة للدين

ومدهشة للعقل» وانظر كيف تتشابه قرائح العباقرة علي ما بينها من تفاوت العصور بقول «برنارد شو» إن الفقر إذا جاوز بصاحبه حدا معينا أصابه بالذهول والدهشة العقلية فلا يثور علي فقره، وأرجعني ذلك لما قاله «العقاد» في كتابه «سعد زغلول سيرة وتحية» وهو بصدد تحليله نشأة زعيم الوفد والأمة سعد زغلول، إذ يقول: نشأ سعد زغلول بين الفلاحين فاستطاع أن يحس شقاءهم، ولكن لم يستطع أن يصبر عليه كما يصبر الزراع المساكين في كل أرض منيت بالظلم وابتليت بالفاقة وفسدت فيها النخوة وبطلت فيها الغيرة علي المظلومين لطول ما شغل الناس بمصائبهم عن مصائب الآخرين، وسعد زغلول ولد في هذه البيئة التي تحس الظلم في غيرها ولا تشاهده في نفسها كل ذلك مرَّ بخاطري بعد قيام ثورتين متتاليتين في مصر 25 يناير 2011 و30 يونية 2013، وكيف عجزت الثورتان عن تحقيق أهدافهما فيما يخص العدالة الاجتماعية فمازالت أوضاع الفقراء والمعدمين كما هي وربما ازدادت سوءا، وهذا الإخفاق يتم بعد كل انتصار يحققه الشعب المصري سواء في الحروب أو الثورات ومثالا علي ذلك ما حققه الجيش المصري علي أيدي جنوده البواسل في حرب أكتوبر المجيدة وصنع ملحمة كبري شهد لها العالم. فاتجه الشعب المصري بعد النصر ببصره آملا في حياة رخية، غير أن قائد النصر الرئيس الراحل السادات قاد بنفسه مرحلة التحولات الاقتصادية التي عرفت في عهده بعصر الانفتاح وسرعان ما ظهرت فئة استغلت استقرار الأمور بعد

توقف الحروب لصالحها في تحقيق الثراء من أي طريق فعاثوا في مصر فسادا وتحررت الأسواق وتكالب الناس علي السلع الاستهلاكية وصعدت طبقات وهبطت طبقات، ورويدا رويدا انسحب البساط من تحت أقدام الطبقة المتوسطة التي تمثل الغالبية العظمي من أبناء مصر واختل توازن المجتمع واضطر السادات أن يتخذ قرارات بزيادة أسعار السلع الرئيسية كالسلع الغذائية والطاقة فهب الشعب المصري لأول مرة في تاريخه المعاصر في انتفاضة الجياع في 18 و19 يناير عام 1977، وكاد نظامه يسقط وأطلق عليها السادات اسم «انتفاضة الحرامية»، ونحن نسأل بدورنا: منذ متي يثور الحرامي ولماذا؟! وفقد السادات كثيرا من شعبيته التي حققها بعد نصر أكتوبر حتي انتهت قصته في مشهد مأساوي في حادث اغتياله في المنصة في يوم عيد النصر 6 أكتوبر 1981، وجاء بعده نائبه حسني مبارك وتطلع الشعب لتغيير الأوضاع وعودة التوازن للمجتمع غير أنه تمادي في سياسة اقتصاد السوق والعرض والطلب وبارك سياسة الاحتكار وجندت وسائل الإعلام في تصوير الاقتصاد الحر علي أنه الجنة الموعودة وحدث الانفلات الاقتصادي، الذي تمثل في زيادة الأسعار بشكل جنوني كما هو حادث حتي يومنا هذ وانتشرت البطالة وعم الفقر ربوع البلاد وتفشت الأمراض المزمنة بين الشعب والفتاكة مثل الفشل الكلوي وصار الشعب المصري يزاحم الموتي في سكني المقابر بسبب أزمة الإسكان وقانون العرض والطلب، وسيطرت دولة رجال الأعمال علي مصر، وتشكلت منهم أعضاء الحكومة ودخلوا البرلمان كنواب للشعب وامتزج المال بالسلطة وأصدروا
القوانين والتشريعات لمصالحهم الخاصة فانتشر العنف وازدادت معدلات الجريمة وتفشي الإرهاب فكانت النهاية المحتومة وهبّ الشعب المصري في 25 يناير 2011، وأزاحه من سدة الحكم وأجبره علي التنحي وانتهت قصته، وجيء بجماعة الإخوان الي حكم مصر، وأمل بعض من أصحاب النيات الحسنة في تغيير الأوضاع بعد الثورة وتحقيق أهدافها التي قامت من أجلها خاصة وقد رفعوا شعار «الإسلام هو الحل» غير أنه لم يكن سوي شعار للوصول الي السلطة يتاجرون به الي ما لا نهاية، وساروا علي نهج نظام مبارك وأبقوا الأوضاع الاقتصادية المتردية للشعب كما هي، وبدلا من أن ينزلوا للشعب يخففون عنه وطأة ما عاناه طيلة 30 عاما من نظام تجاهلهم وتركهم في الفقر المدقع، في ظل نظام كان الشباب فيه يؤثر الموت غرقا في عرض البحر هربا من وطن لا يجد فيه فرصة عمل ولا أمل له فيه ولا مستقبل،واعتمدوا علي تأييد ودعم أمريكا لهم واستبدت بهم شهوة السلطة وطاشت حلومهم، ومما زاد الطين بلة أنهم عملوا علي تفتيت وحدة الوطن وإشاعة روح الفرقة بين أبناء الأمة بالعمل علي إشاعة الفتنة الطائفية والعمل علي نشوب الحرب الأهلية
وتقسيم المجتمع الي شيع وأحزاب مثل علماني وملحد وليبرالي ومسلم ومسيحي، ومن يعترض علي حكم جماعة الإخوان يسمونه من الروافض!! بالله كم من ملايين البسطاء من المصريين يعرفون من هم الروافض، ولماذا سموا تاريخيا بذلك الاسم؟! ثم كانت النهاية المحتومة هبّ الشعب في ثورة 30 يونية وأطاح بحكم الإخوان ونبذهم نبذ النواة وعاملهم معاملة المستعمرين الغزاة.
نخلص من كل ذلك أن استقرار أي نظام في الحكم مرهون أو مشروط باستقرار أحوال الشعب الاقتصادية والاجتماعية وليس العكس،وأن الشعوب قد تغفر لحكامها حتي الهزائم في الحروب، غير أنها لا تغفر لهم أن يعملوا علي إفقارهم وتركهم نهبا للجوع والتشرد والبطالة.
والدرس المستفاد بالإضافة الي ما ذكرنا أن يكون الشعب علي حذر من عودة السماسرة والتجار الي مجلس النواب مرة أخري فهم يستعدون من الآن ويشحذون مخالبهم لينهشوا لحوم الفقراء من جديد.
قال الفيلسوف «ارنست كاسيرر»: «من لم يع دروس التاريخ عليه أن يعيشه مرة أخري» فهل وعينا الدرس؟.. أتمني علي الله ذلك.