رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

العراقي.. في ذكري وفاته الثانية (العقلاني الإنسان)

مقالات الرأى

الأحد, 16 مارس 2014 23:06
بقلم - د. مجدي إبراهيم



 

في الذكري الثانية لرحيل المفكر الكبير أستاذنا الدكتور عاطف العراقي -طيَّب الله ثراه- وبلادنا تمر بمرحلة عصيبة من الإرهاب الأسود, والتسلط على الضمائر والقلوب باسم الدين,

نذكره فنذكر العقلانية والاستنارة, قيمة فكرية في مواجهة الادعاء البغيض الذي يُخيَّل لأناس فقدوا عقولهم أو كادوا. كان أستاذنا مؤمناً بالعقل كونه الوسيلة الوحيدة التي بمقتضاها يمتنع على المخلوق أن يعطل عقله مرضاة لمخلوق مثله لا لشيء إلا لأن العمل بالعقل؛ كما قال الأستاذ العقاد في كتابه «التفكير فريضة إسلامية» أمرٌ من أوامر الخالق؛ فمن شاء أن يعطل عقله مرضاة لمخلوق مثله فقد كفر بأمر الله: العمل بالعقل. فيا من تعطلون عقولكم مرضاة لخلق الله, وتخالفون أمره تعالى بالتعقل والاستنارة كفوا!
من النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد انطلق أستاذنا يعمل بالعقل ضد كل محاولة تريد أن تعطله, لكنه مع هذا العمل العقلي لم يكن أسيراً لما يفكر فيه, بل كان روحاني السجية عقلاني الأداء, تناول بالعقل خصال الروح لديه ليجريها لفظاً ومعنى في المحيط الثقافي فيظهر للناس أنه العقلاني الرشدي وكفى, وهو أعلى من تلك الحدود وأشمل من هذه الأجزاء, وفوق تلك الحواجز والفواصل بالمطلق:
فيه ما في العقلانيين ممَّا هو فيهم, وليس فيهم ممَّا هو فيه: فيه الروح اليقظة التي تمسُّ إنسانية الإنسان فلا تفرِّق ولا تميز إلا على أساس هذه الإنسانية. فكان أخاً صدوقاً للأقباط كما كان أخاً للمسلمين وغير المسلمين, لا يتعنصر في قالب كما يتعنصر العقلانيون، ولا يتجمد في اتجاه ولا في طريق كما يتجمَّد أهل الدعوى العريضة باسم العقل فيرفضون سواهم

من طرق واتجاهات؛ فكما كان وفياً لأساتذته من المسلمين ظل وفياً لأساتذته من الأقباط. كان حديثه عن الأب جورج شحاته قنواتي والأب متى المسكين حديثاً ملآناً بالمحبة الفياضة لا يفتر ولا ينقطع, لكأنما كان قد تعلم من هؤلاء الآباء فيض المحبة نعمة وعطية برِّ مجانية في الحياة الخالدة. ولكم وجهنا نحن حوارييه إلى مكتبة دير الآباء الدومنيكان بالعباسية للاطلاع على نفائسها وكنوزها؛ وكان يقول: في هذه المكتبة قضيتُ عدة سنوات هى أجمل أيام حياتي وأمتعها, ولولا وجود «الأب جورج قنواتي», ما كان «عاطف العراقي». كان دائماً ما ينسب الفضل لأهله ومستحقيه, ولا ينسي الأعياد فيكتب قائمة طويلة بمعارفه -أقباطاً ومسلمين- وفوق كارته الشخصي يكتب المعايدة ويكلف أحد تلاميذه -إنْ لم يتسن له ذلك بنفسه- بوضعه في البريد؛ لا ينسى هذا مطلقاً طيلة ما عاش؛ لأنه كريم النفس, أبيُّ الشعور، عميقُ الوجدان.
فيه ما في العقلانيين ممَّا هو فيهم, وليس فيهم ممَّا هو فيه: فيه التسامح والموضوعية. ليس يفرض على من يختلفون معه في الاتجاه رأياً بل كانت عبارته المشهورة أن يتخذ من الآية الكريمة شعاراً له ودثاراً: «لكم دينكم ولى دين». ومن تلاميذه من كان يختلف معه في الاتجاه فلا يجبره ليتنازل عن رأيه ترضية له كيما يتبنى وجهة نظر أستاذه, أو ليتجه نفس اتجاهه. ومن فلاسفة الإسلام والتصوف
وعلم الكلام تخرج على يديه الأساتذة واختلفوا معه في الرأي وعاشوا في رحابه أصدقاء وأوفياء، كان يجمعهم حوله حواريين, وكانت أخبارهم جميعاً عنده وكأنهم أبناؤه وزيادة, يسأل عن الجميع والجميع يسألون عنه, ويعرفون أخبار بعضهم بعضاً منه, ويتفقد أحوالهم بين مقيم في مصر وغريب عن وطنه؛ فلا يسأم من السؤال ولا يضجر من كثرة المطالب, ولا يعبس في وجه أحد منهم, بل كان طليق الوجه في ملاقاتهم: هشَّاً, بشَّاً, بسَّاماً؛ على صفات «العارف» التي استخلصها هو من إشارات ابن سينا وتنبيهاته.
كان كريماً معهم ومع غيرهم من معارفه إلى أبعد حدود الكرم, عَفَّاً إلى أبعد حدود العفاف, لم تجذبه الماديات في حياته أبداً, يعتبر الأموال ينفقها على أصدقائه ومعارفه مجرَّد «ورق ملون!» ليست لها قيمة في نظره, ولكم أعطى وأنفق في السر وفي الخفاء أضعاف أضعاف ما أنفق وأعطى في العلانية والظهور. عمَّت فيه روح الفكاهة والدعابة حتى في أحلك اللحظات فظل حَبُّوباً لدى من يحيطون به في غير هزل أو تهتك.
أي نعم! فيه ما في العقلانيين ممَّا هو فيهم, وليس فيهم ممَّا هو فيه: فيه الوفاء لأساتذته على قدر إخلاصه وزيادة؛ وبمقدار إخلاصه كان وفياً لزملائه وتلاميذه، فكما كان مخلصاً للأهوانى, ومدكور, وعثمان أمين, وزكريا إبراهيم, ويوسف كرم, وأبو ريدة, وزكي نجيب محمود, وفؤاد زكريا, والتفتازاني, وأحمد صبحي, وزينب الخضيري؛ وغيرهم؛ وغيرهم كان كذلك مخلصاً لأحمد الجزار, وزينب عفيفي, وجمال سيدبي, وميرفت عزت بالي, ورجاء أحمد على, وإبراهيم صقر, وسيد ميهوب, وعبد الحميد درويش, وعصمت نصار, وعزمي زكريا, ومجدي إبراهيم كاتب هذه السطور؛ لأن الإخلاص شيمته تنشأ عليها وتربَّى لا يُفارق عمل من أعماله, ولم يكن اعتقاده بخارج عن عمله, ولا عمله ببعيد عن اعتقاده, سلوكه لا يفارق فكره, وفكره لا يفارق سلوكه, يجمع بين النظر والتطبيق كما يجمع كبار المفكرين الروحانيين؛ بل كان دأبه أن يردد: ليس يبقى من الدنيا شيء سوى العمل الطيب بين الناس؛ رحمه الله رحمة واسعة.