رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المصالحة بين المفهوم والواقع والممكن

مقالات الرأى

السبت, 15 فبراير 2014 22:41
لواء بالمعاش أحمد عبدالفتاح هميمى


< المطلق والحقيقة, موضوعان من الموضوعات بالغة الأهمية التى تناولها بالبحث والدراسة والتنظير, علماء الدين وأساتذة الفلسفة, ولا أدّعى أنى أهلٌ للحديث فى هذا المجال العلمى

الدقيق, ولكن حديثى اليوم يدعونى لأن أبدأ بما هو معلوم بصفةٍ عامة فى هذين الموضوعين. فالمطلق هو اللا محدود بزمنٍ أو مكانٍ أو ذات, وليس فى الكون مطلقٌ إلا لله سبحانه وتعالى, فى كل صفاته المقدسة, سواءً فى إطار الإدراك الإنسانى - وهى كثيرةٌ لا تحصى, كالقدرة والرحمة والقوة والجبروت والعدل والمغفرة والغنى والكرم والإحسان - أو فى إطار الصفات الغيبية التى لا يعلمها إلا هو. وعلى عكس ذلك تأتى حياة البشر, فكل ما فيها من صفاتٍ وقيم هى أمورٌ نسبية تختلف وتتباين بحسب الزمان والمكان والعقول والمشارب وحركة الاحدات ومتغيرات الحال. وأما الحقيقة - وهى دائما ضالة المؤمن - فإنها تعنى وجه الصواب اليقينى فى أى أمرٍ من الأمور, والبشرية منذ أدم عليه السلام وحتى الآن لم تجمع إلا على حقيقة واحدة وهى حقيقة الموت وحتميته, وبالتالى فإن الخلاف بين الناس فى الرأى والمعتقد هو أمرٌ طبيعى, بل يتوافق مع فطرتهم التى خلقهم الله عليها, ومن ثَمَّ لا يسوغ اعتبار أى رؤية أحادية أو بعضيةٍ فى أى شأن من شئون الحياة, بمثابة رؤية للحقيقة يُفترض معها بطلان ما عداها, وإنما يجب اعتبارها بأنها رؤية بما هو مرجحٌ لدى صاحبها أنها الحقيقة.
< من هذه المقدمة وبها أعود الى الشكل والاسلوب الذى اكتسى به الحوار الدائر خلال السنوات الثلاث الماضية, فيما بين المجتمع المصرى - أفراده ومؤسساته, عامته وخاصته, بسطاءه ونخبته - فى كل قضايا الوطن الراهنه, فأجد مما

يدعو للأسف والأسى, أن الحوارأصبح فى أغلبه نزالاً فى معركة, أو استعراضاً لقوة, أو فرضاً لسطوة أو إشباعاً لشهوة, والكل يدفع بحنجرته إلى أعلى معدلات الصوت, ولا أحد يستمع للآخر إلا من رحم ربى . لقد أصبحت السمة الغالبة فى دوائر الحوار المختلفة, هى إفتراض المطلق فى نتائج الحوار, فإما أن تكون بيضاء ناصعة البياض, أو سوداء دامسة السواد, حتى صار تعبيرا «انت مع أو ضد», مقدمةً لأى حوار . كما صارت وجهة النظر فى كثيرٍ من الأحيان وبالاً على صاحبها, لأنه رآها وروج لها باعتبارها عين الحقيقة فى حين يراها الغير رجساً من عمل الشيطان يستوجب الحرب والعدوان, وغاب عن الكثير أن الهدف من الحوار الانسانى فى كل آمور الحياه, هو استنهاض وطرح كل الأفكار والرؤى وتمحيص بعضها ببعض, ثم إستخلاص القاسم الملائم لإصلاح وصلاح البلاد والعباد.
< فى سياق ذلك نتناول أحد الموضوعات الهامة المطروحة الآن على الساحة السياسية, وهو موضوع المصالحة الوطنية, الذى أرى -وللأسف الشديد- أن كثيراً من المهتمين بالشأن العام قد اختزله فى اطارٍ ضيق لا يناسب الهدف الشامل له, أو تناوله بقدرٍ كبيرٍ من الانفعال والعصبية, فغابت عنه الحيدة والموضوعية. وإذا كان الشىء بالشيء يُذكر, فإننى رغم اختلافى مع الدكتورحسن نافعة فى كثير من مواقفه السياسية, أرى أن ما تعرض له من هجومٍ شرس رداً على وجهة نظره التى طرحها فى هذا الشأن, كان
هجوماً يفتقد التروى الموضوعى والمنطق السائغ والباعث المجرد. ولذلك أعتقد أنها ستظل مبادرةً قابلةً للمناقشة.
< أنتقل إلى عرض وجهة نظرى الشخصية, بشىء من الهدوء, لعلها تسهم فى تحقيق التوافق المجتمعى المرجو فى المرحلة الراهنة, والخصها فى الآتى : (1) أن تعبير المصالحة بصفةٍ عامة, لا يصح رفضه أو التضاد معه فى ذاته, وذلك باعتباره مصطلحاً لأحد القيم الإنسانية الأصيلة المتعارف عليها مثل قيم العدالة والتسامح والحرية وما إلى ذلك. (2) أن هناك فرقاً فى واقعنا الخاص, بين المصالحة من جانب الدولة مع فصيلٍ أو جماعةٍ بعينها, وبين المصالحة الوطنية الشاملة. فالأولى تكون لإنهاء منازعة محددة أما الثانية فتكون لإصلاح مجتمع بأسره, كما أن الاولى إذا أردناها مع جماعة الإخوان تحديداً, فإننى أري أنه لا طائل منها, ليس لاستحالة الفكرة, ولكن لإنعدام معطيات نجاحها بين طرفيها, فالدولة لن تتنازل عن حقها فى ملاحقة الجناه وإنزال حكم القانون عليهم, كما أنها فى المقابل لا تملك عطاءً إلا السماح للكافة بالمشاركة المشروعة فى الحياة السياسية, وعلى الجانب الآخر فإن الجماعة لن تستطيع التخلى عن العنف, لأنه أحد أدواتها الايديولوجية للوصول إلى أهدافها الحقيقية, وهى لا تخشى السجون فقد اعتادت عليها, كما أن مشاركتها فى الحياة السياسية أصبح واقعاً يصعب انتزاعه مرةً آخرى. (3) يبقى المطروح الممكن وهو المصالحة الوطنية الشاملة, التى تستهدف توحيد الصف المصرى وتعضيد تماسكه والحد من التطرف, وهى لن تكون إلا بمواجهة وتصحيح وضبط كل الأفكار والمعتقدات لدى كل فصائل المجتمع وحركاته, وهى فى المقام الأول مسئولية الدولة, التى يجب أن تتبنى موقفاً واضحاً ومحدداً فى هذا الاتجاه يعبر بجلاء عن المرجعيات الدستورية الثلاث التى تستند إليها, وهى المرجعية الدينية الوسطية والمرجعية الوطنية المتراكمة والمرجعية العرفية الذاتية المتواتره, ويكون اضطلاعها بهذه المسئولية بالخطاب السياسى المستنير عبر كل قنوات التواصل مع الشعب ,فضلاًعن إلتزامها بالقدوة الحسنة فى الجوهر والمظهر فى شتى نواحى الحياه وكل مجالات العمل المؤسسى, بما يتفق مع تلك المرجعيات. خلاصة القول فإن المصالحة الوطنية تتحقق بتصحيح الفكر الخاطئ هنا أو هناك, وليس بأى شئ آخر.