رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وزير المالية.. ورصاصة في قلب الدستور

مقالات الرأى

الأحد, 02 فبراير 2014 23:47


في عام 1986 صدر قانون رقم 86 وبمقتضاه: أعطى المشرع الحق لكل معاق أن يحصل على سيارة معفاة من الجمارك، طبعاً شيء جميل ورائع، فصدور مثل هذا القانون بمثابة تقدير من الدولة لظروف المعاق واعتراف بحقه في الدعم المادي والمعنوي، فإذا كان القدر قد أراد له أن يحرم عضوا من أعضائه أو حاسة من حواسه، فمن حقه على الدولة ألا يحرم من قانون

يعينه على متاعب الحياة وييسر له وسيلة الانتقال الآمن ويقيه شر الحاجة – كما يقول العامة – (للي يسوى وإللي ما يسواش) لكن يا فرحة ما تمت إذ اشترطت المادة 2 فقرة 9 من هذا القانون أن تكون السيارة مجهزة تجهيزا طبيا بحيث يستطيع المعاق حركيا أن يقودها بنفسه، فماذا إذن عن المعاقين بصريا؟ هل يحق لهم الحصول على سيارة معفاة من الجمارك؟ الإجابة: حسب الفقرة 9 هذه، ليس من حقهم طبعا، إذ إنهم محرومون من نعمة البصر وبالتالي لا يستطيعون قيادة سيارتهم بأنفسهم ولحظهم الأسود أن تكنولوجيا الإفرنجة لم تسعفهم بسيارات تناسب إعاقتهم تكون مجهزة ببصمة الصوت أو بالتحسيس أو بعين صناعية من العيون اللي تندب فيها رصاصة، إن أغرب شيء في الدنيا أن يصدر قانون لا يفاضل بين الناس على أساس التقوى أو العمل أو الإبداع أو حتى المستوى المادي وإنما على أساس طبيعة الإعاقة ونوعيتها، على أساس أن هناك إعاقة «سعد» وأخرى «نحس»، إعاقة «لوكس» وإعاقة عادة إعاقة ينعم بها أبناء البطة البيضاء وإعاقة يشقى بسببها أبناء البطة السوداء، هل هذا منطق العقلاء؟ وهل يمكن أن يصدر قانون كي يغيظ فئة ويكيد فئة وينصف فئة على فئة؟ هل نتوقع أن يكون دعاء المكفوفين فى صلاة الجمعة من كل أسبوع: اللهم اجعلنا معاقين حركيا ولا تجعلنا معاقين بصريا؟
عزيزي القارئ قد تراني في هذا المقال متناقضا أرفض من غيري ما أقوم به، فمن ناحية أعترض على التعاطي القانوني العاجز مع قضية الإعفاء الجمركي على أساس نوع الإعاقة، ومن ناحية أخرى أسوق لأحقية فاقدي البصر في الحصول على هذه السيارة المعفاة، والواقع أن هذا التناقض الظاهر ما هو إلا تماهٍ مع حقيقة لا يصح أن يغفلها أحد وهي : أن معاناة المكفوفين من العمق والتركيب قد تكون أكثر إيلاما ليس لأصحابها فحسب، بل تمتد لتشمل كل من اختار ملازمتهم في مسيرتهم اليومية بكافة تفاصيلها المزعجة خاصة عندما يستقلون المواصلات العامة طليعة كل شمس والمعروف أنها لا ترحم سليما، فما بالنا بالمعاقين بصريا وأسرهم أو من يرافقهم، فما بالنا بمن لم يعد لهم من الميزات ما يشعرهم بأن الدولة تقف إلى جانبهم، بعد أن أصبحوا في ذمة القانون لا هم بالمعاقين في مزاياهم ولا هم بالأسوياء في حقوقهم، والسؤال الذي لا يزال يحيرني: إن كان المشرع قد منح المعاقين حركيا ميزة الحصول على إعفاءات من الجمارك لعلة الإعاقة، أوليس المكفوفون معاقين أيضا؟ أوليس المصابون من الصم والبكم بمعاقين أيضا؟ وإذا اشترط المشرع أن يتولى المعاق حركياً قيادة السيارة المعفاة بنفسه، فما الذي يمنع الكفيف من أن يقود سيارته أحد أقربائه من الدرجة الأولى في حضوره طالما أنه يمتلك القدرة المادية التي تعينه على تحمل أعبائها؟
يا سادة الإعاقة ثقيلة على النفس أعان الله من ابتلي بها وتجرع مرارتها لا فرق في ذلك بين أصم أو أعمى أو مشلول أو أبتر، لا فرق بين من مكنه حظه من

أن يقود السيارة بنفسه أو من اضطرته إعاقته إلى مرافق يقود له السيارة، لا فرق بين من عجزت قدماه عن حمله وبين من قدر له ألا ترى عيناه نور الدنيا، كلهم معاقون همهم واحد ومعاناتهم واحدة، كلهم في حاجة لدعم الدولة والمجتمع وضمير تشريعي نقي لتجنيبهم عذاب البهدلة والمرمطة في المواصلات العامة والتعثر الذي قد يهدد حياتهم، كلهم في حاجة ليد تنشلهم من ظلمات اليأس لبصيص الأمل، في حاجة لعقول تفكر بشكل مختلف عن تلك التي كان همها قبل ولادة ثورتنا المجيدة هو مجرد الحرص على المصالح الضيقة وزيادة الفقراء فقرا والمهمشين تهميشا، وأظن الآن أنه من العيب إثارة نفس القضايا التي سبق أن أثيرت ونضيع الوقت فيها مثلما سبق أن ضيعنا، وعلى أية حال وللتذكرة فقط أريد أن أضع تلك المشكلة بين يدي رئيس الوزراء ووزير ماليته وأطالبهما بمراجعة قانون 186 لعام 1986 خاصة المادة 2 فقرة 9 والتي تمثل فضيحة دستورية لا يمكن السكوت عنها لكونها تمييزاً صارخاً بين الناس على أساس نوع الإعاقة، كما أطالب بإصدار قرار فوري بأحقية جميع المعاقين في الحصول على سيارة معفاة من الجمارك طالما توفرت لهم الإمكانيات المادية سواء قاد سيارته بنفسه أو قادها له الغير مع أخذ كافة الضمانات التي تحفظ للدولة حقوقها.
بالمناسبة سبق ان نشرت هذا المقال بنفس هذه الجريدة العظيمة المحترمة بعد ثورة يناير بسبعة أشهر ومضطر إلى أن أعيد نشره الآن بعد ثورة يونية وبعد إقرار دستور عام 2013 مذكرا وزير المالية الحالي بأن التمييز جريمة ومن يمارس التمييز مجرم بنص الدستور الجديد وإذا كانت هناك مادة تحول بين فئة من المعاقين والحصول على هذه السيارات المعفاة من الجمارك فهناك مادة أخرى سبق أن وظفها الوزير الأسبق الدكتور يوسف بطرس غالي وقرر تفعيلها في سد تلك الثغرة وبإمكان وزير المالية الحالى تفعيلها ايضا بشرط أن يغير الوزير مكتبه الفني غير الفني والذي ليست له وظيفة سوى الاستعانة باللوائح البالية وتطبيقها دون النظر للتطور الحتمي للزمن من أجل عرقلة مصالح عباد الله والقيام بدور الوزير بالإنابة وسوف أقف على بعض تجاوزات ذلك المكتب في الأسابيع القادمة لمحاسبة أعضائه آملاً في ألا يكون وزير المالية صاحب أول رصاصة في قلب الدستور المصري.