ما بين جوانتنامو وإسرائيل

مقالات الرأى

الاثنين, 06 يناير 2014 00:32
بقلم: مجدى الحداد

اختارت الولايات المتحدة، أو الإمبراطورية الأمريكية، خليج جوانتنامو بكوبا Guantnamo Bay، واستأجرته من كوبا، وبحق امتياز شبه احتكارى، ولمدة 99 عاما، تماما كسائر الإمبراطوريات الاستعمارية الأخرى السابقة في عقودها الاحتكارية، حيث استأجرت هونج كونج أيضا وكذا قناة السويس ذاتها من قبل .

وكما امتنعت الصين عن تأميم، أو تحرير، هونج كونج، وبموجب العقد المبرم بينها وبين بريطانيا العظمى، امتنعت كوبا أيضا ـ كوبا الثورية الاشتراكية والماركسية، كوبا كاسترو ـ عن إخلاء، أو إجلاء القاعدة الأمريكية من  أراضيها في خليج جوانتنامو، وآثرت احترام العقد الموقع بينها وبين الولايات المتحدة.
لكن مصر، والتي لم تكن في قوة الصين ولا في ثورية كوبا، أممت قناة السويس عام 1956، ودفعت جراء ذلك تعويضات طائلة نتيجة لفسخها عقد امتياز تأجير قناة السويس .
ولأن الدستور الأمريكى، ومن ثم القوانين الأمريكية يشددان على احترام حقوق الفرد وصيانتها، ولكن داخل الأراضى الأمريكية، أو على التراب الأمريكى، فقد تحايلت الحكومات، والإدارات الأمريكية المتعاقبة على الدستور والقوانين الأمريكية، بإنشاء العديد من القواعد العسكرية ومعسكرات الاعتقال الأمريكية فى شتى بلدان العالم، وخاصة بلدان العالم الثالث، والتى لا تقيم وزنا غالباً لأى حق من حقوق الإنسان وحرمة التعدى على حقوق مواطنيها من قبل ميليشياتها
إذن لم تكن قاعدة جوانتنامو الأمريكية فقط التى كانت تمارس من خلالها الإمبراطورية الأمريكية ما لم يكن يخطر على قلب، أو عقل بشر من فنون

التعذيب والإذلال والترويع للنفوس البشرية من نزلاء أو سجناء تلك القاعدة. وهى عندما تفعل ذلك فهى تقوم به أيضا تحت مظلة الدستور والقانون الأمريكى، واللذين لايشددان غالبا على انتهاك الولايات المتحدة لحقوق الإنسان بل والأعراف الدولية ذاتها، خارج الأراضى الأمريكية.
إذن، يمكن القول إن هناك نوعين من جوانتنامو، نوع خاص بالأفراد ـ ومهما كانت عرقياتهم وجنسياتهم ـ والذين تظن البيروقراطية الأمريكية فى المؤسسات الأمريكية المختلفة، إنهم يشكلون خطرا على المصالح الأمريكية الحيوية، فتقوم باحتجازهم بالقاعدة الأمريكية فى خليج جوانتنامو بكوبا ـ وهناك جوانتنامو آخر، والذى ليس بالضرورة أن يكون هنا مقتصرا فقط على الأفراد، حيث إنه خاص «إصلاح وتهذيب» الأمم والشعوب على الطريقة الأمريكية بطبيعة الحال، وقد زرعته الإمبراطورية الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط، وفى قبل عالمنا العربى، وهو إسرائيل ..!
لكن جوانتنامو العالم العربى، كان أكثر حنكة أو «حبكة» فى حقيقة الأمر، من جوانتنامو كوبا، إذ تفعل الولايات المتحدة كل ما يعن لها من انتهاكات وإذلال وقتل وترويع وتخريب وهدم بيوت، بل ومدن بأكملها، وفوق رؤوس سكانها، فضلا حتى عن حوادث الاغتصاب التى لم تعهد بها البشرية من قبل، وبشكل يومى تقريبا، وذلك من غير أن
تظهر هى فى الصورة ..!
وربما هذا يفسر فى حقيقة الأمر استخدام الولايات المتحدة تاريخيا لحق النقض أو «الفيتو» فى مجلس الأمن ضد أى قرار من شأنه أن يدين فقط أى عدوان إسرائيلى ضد أى من جيرانها العرب، وكذلك سر انتصار إسرائيل المذهل على خمس دول عربية فى حرب يونيو 67، بينما لم تصمد هى أمام فصيل سياسى واحد ـ وهو حزب الله ـ ينتمى إلى أصغر دولة عربية وطائفية، وهى لبنان، لدرجة أن إسرائيل هى التى كانت قد طلبت هدنة، أو وقف لإطلاق النار مع حزب الله عام 2006
ولكن الفرق الجوهرى بين جوانتنامو كوبا، وبين جوانتنامو العالم العربى، أن الأول محدد بفترة زمنية محددة، ومنصوص عليها فى عقد الإيجار، وينتهى بعدئذ الوجود الأمريكى، أو القاعدة الأمريكية فى خليج جوانتنامو  بكوبا، وليس بوسع الولايات المتحدة بعدئذ تمديد عقد الإيجار إلا بعد موافقة الطرف الكوبى. لكن جوانتنامو العالم العربى لم يقم ولم يتأسس فى حقيقة الأمر بموجب عقد موقع بين فلسطين مثلا، أو أى من الدول العربية ـ منفردة أو مجتمعة ـ المجاورة من جهة وبين الولايات المتحدة من جهة أخرى.. إذن فهو عقد مفتوح، أو بالأحرى مفروض، ومن قبل طرف واحد، وهو الولايات المتحدة، وذلك مع تواطؤ أطراف دولية وعربية أخرى مع الطرف الأمريكى، وذلك بدون الاستفادة حتى من القيمة المادية لعقد الإيجار، و ذلك على عكس ما هو عليه الحال فى جوانتنامو كوبا ..!
لكن السؤال هو؛ إذا أعلن أوباما عن قرب إغلاق معسكر جوانتنامو فى كوبا، فمتى سيتم الإعلان عن إغلاق جوانتنامو العالم العربى فى فلسطين، أو بكلمات أخرى؛ متى سيحل انتهاء عقد الإيجار الأمريكى المجانى لجوانتنامو العالم العربى بعد أن حل انتهاء موعد عقد الإيجار لجوانتنامو الأصلى..؟!

[email protected]