الإرهاب وسنينه

مقالات الرأى

الأربعاء, 01 يناير 2014 01:00
بقلم: دكتور إكرام بدرالدين

تشهد مصر في الأشهر الأخيرة هجمة إرهابية شرسة، وقد يكون الهدف من هذه الأعمال الإرهابية الوقوف ضد إرادة الشعب المصري في تقرير ورسم مستقبله السياسي، والحيلولة دون

تحقيق التطور الديمقراطي في مصر أو على الأقل تعطيل حدوثه، وهو ما يمثل تحدياً خطيراً لمصر وشعبها وجيشها وحكومتها، ويتطلب الأمر تضافر كافة الجهود لمواجهة الإرهاب وأعماله، فخطورة الإرهاب والتي ربما تفوق آثاره المادية وما يحدثه من خسائر فعلية، هي آثاره النفسية أو ما يحدثه من ترويع وخوف لدى المواطنين، وهذا ما يهدف إليه الإرهاب، وربما يحاول الإرهاب الاعتماد على فكرة أساسية وهي أنه لا يمكن تحديد على وجه الدقة أين ستكون الضربة القادمة للإرهاب، ويعتمد الإرهاب على ذلك لتحقيق الترويع ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى عدة ملاحظات أساسية تتعلق بالإرهاب وهي:
أولا: إن استراتيجية الإرهاب تتغير من فترة إلى أخرى كما يغير الإرهاب ويعدل من أساليبه فكان الإرهاب يقتصر على سيناء والمناطق المحيطة بها والقريبة منها، ويتمثل في الاعتداء على قوات الأمن والقوات المسلحة، ثم بدأ الإرهاب يمتد إلى قلب الدلتا على نحو ما عبر عنه حادث مديرية أمن الدقهلية، كما امتد الإرهاب إلى المدنيين على نحو ما حدث في مدينة نصر في منطقة يتواجد بها مجمع مدارس، وكان العمل الإرهابي موجها ضد حافلة للنقل العام مما يعني تغييراً في استراتيجية الإرهاب واستهداف المدنيين وطلبة المدارس والمواطن العادي، وبحيث لم يعد هناك من هو في مأمن من الإرهاب، ونتيجة لذلك فإنه إذا كان الإرهاب يغير من أساليبه وأدواته فإن أساليب المكافحة أيضا يجب أن تتسم

بالمرونة والتغير بما يتناسب مع الظروف المتغيرة، ويتطلب الأمر أيضا التركيز على توجيه الضربات الاستباقية للإرهاب، وبحيث لا يتم الاقتصار على رد الفعل أي انتظار حدوث العمل الإرهابي ثم التفكير في رد الفعل المناسب.
ثانيا: عدم إمكانية الفصل في الظاهرة الإرهابية بين المتغيرات الداخلية والمتغيرات الدولية، فهناك قوى اقليمية ودولية من مصلحتها إعاقة التحول الديمقراطي في مصر، لأن مصر الديمقراطية القوية تمثل تهديدا لمصالحها ومخططاتها في المنطقة وتعوق تحقيق هذه المخططات وتربك حسابات تلك القوى، ولذلك تتعاون هذه القوى الإقليمية والدولية مع الجماعات والتنظيمات الداخلية سواء بالتمويل أو المساندة السياسية أو الدعم الإعلامي وغير ذلك من أساليب التعاون والتي تعبر عن التقاء مصالح الجماعات الإرهابية في الداخل مع مصالح تلك القوى، ولذلك فإن النظرة الصحيحة إلى الإرهاب لا تكون باعتباره ظاهرة داخلية أو محلية فقط بل لابد من أخذ المتغيرات الإقليمية أو الدولية في الاعتبار وتحديد الأطراف المستفيدة من إثارة الفوضي في مصر وإعاقة تطورها الديمقراطي.
ثالثا: إن المواجهة الصحيحة والسليمة للإرهاب يجب ألا تقتصر على المواجهة الأمنية فقط رغم أهميتها بل يتطلب الأمر  أيضا أن تكون المواجهة شاملة أي اقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية، فالمواجهة الأمنية هي مواجهة للأعراض الخارجية للظاهرة الإرهابية، أما المواجهة طويلة المدى فتتطلب علاج الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الإرهاب مثل الفقر والبطالة والجهل والتي يترتب عليها
قدرة الإرهاب على استقطاب بعض العناصر التي تعاني من البطالة أو تعاني من الفقر حيث يسهل التأثير عليهم بالأموال، أو التي تعاني من الجهل وبحيث يسهل التأثير عليهم فكريا واستقطابهم، ولذلك فإن المواجهة الناجحة للإرهاب تتطلب اتباع أسلوبين في المواجهة وهما الأسلوب الأمني والذي يتبع في الأمد القصير، والأسلوب الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والذي يتبع في الأمد المتوسط والأمد الطويل لعلاج مرض الإرهاب والحيلولة دون ظهوره مستقبلا.
رابعا: تحديد المواقف بطريقة واضحة وقاطعة، فليس هناك مجال للتقارب أو الحلول الوسطى مع الأطراف الداعمة للإرهاب، بل يجب أن تكون المواقف واضحة وحاسمة ولا تحتمل أنصاف الحلول مع أي طرف يدعم الإرهاب سياسياً أو مالياً أو معنوياً، فالإرهاب الذي يهدد المصالح المصرية ويهدد الأمن القومي المصري لا توجد وسيلة للتقارب مع من يؤيده، كما يرتبط بذلك ايضا اتباع حملة دبلوماسية وإعلامية في مختلف دول العالم لتوضيح خطورة الهجمة الإرهابية التي تتعرض لها مصر وضرورة التعامل الحاسم معها خاصة أن هذه الهجمة الإرهابية الشرسة تستهدف إعاقة عملية التطور الديمقراطي في مصر وتقويض الدولة المصرية ونشر الفوضى.
خامسا: أن الدولة المصرية ذات السلطة المركزية من أقدم الدول الموحدة والقومية التي عرفتها البشرية ولم يحدث عبر تاريخها الممتد لآلاف السنين أن استطاعت أي جماعة مواجهتها أو إخضاعها، فهذه هي عبرة التاريخ ودروسه المستخلصة، ولن يستطيع الإرهاب الحديث الانتصار على الدولة المصرية خصوصا أن الإرهاب لا يواجه الأجهزة الأمنية أو القوات المسلحة وحدها بل يواجه أيضا الشعب المصري بمختلف فئاته وقطاعاته وشرائحه الاجتماعية والتي نجح الإرهاب في تكتيلها وتوحيدها، كما أن مصر لا تعرف نموذج الانقسامات العرقية والإثنية والطائفية والمذهبية الذي تعرفه بعض دول المنطقة مما يجعلها متماسكة وموحدة في مواجهة الإرهاب، ونتوقع أن تكون المشاركة الشعبية الكثيفة في الاستفتاء على الدستور هي الرد المناسب من شعب مصر على تهديدات الإرهاب الأسود، وهي التعبير عن رغبة شعب مصر في استئصال الإرهاب والتفرغ لبناء مستقبله السياسي والاقتصادي وطي صفحة سوداء من تاريخ مصر.