سيناء والنوبة و دواعي الأمن القومي

مقالات الرأى

الأربعاء, 01 يناير 2014 00:53
لواء بالمعاش أحمد عبدالفتاح هميمى

< منذ شيوع حالة الفوضى الممنهجة التي اعترت الوطن في الثامن والعشرين من يناير عام 2011 – والتي كان من أبرز نتائجها الكارثية اعتلاء جماعة الإخوان المسلمين حكم مصر، بل سيطرتها فعلياً على مقاليد الأمور عقب سقوط نظام مبارك مباشرةً – وحتى الآن، تعددت التظاهرات السلمية وغير السلمية والإضرابات والاعتصامات وكل أشكال الضغوط

السياسية، للمطالبة بمطالب شخصية أو فئوية أو طائفية، مستغلةً ترهل الدولة وضعف سلطتها في هذه الظروف الصعبة، لفرض تلك المطالب، سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، جائزة أو غير جائزة، وللأسف الشديد فقد استجابت الدولة خلال تلك الفترة لكثير من تلك المطالب رغم عدم مشروعيتها في بعض الأحيان، وعدم ملاءمتها طبيعة وظروف المرحلة وقدرات الدولة في أحيان أخرى، وكان ذلك في جميع الأحوال – من منظور السلطة الحاكمة – حرصاً من الدولة على امتصاص أي بواعث للغضب الشعبي ، لمنع تفاقم حالة الاضطراب المجتمعي، وإعادة حالة الأمن والاستقرار التي يحتاجها الوطن ويتوق إليها كل أبنائه.
< إنني كأحد المهتمين بالشأن العام والمراقبين للمشهد السياسي، أتفهم تلك المطالب ودوافعها ومبررات طرحها في مثل تلك الظروف، ويمكن أن أتقبلها رغم ما فيها من انتهازية أو عدم تقدير، كما ألتمس العذر لسلطات الدولة التي استجابت لها، وإن كان التاريخ سيحاسب عليها، رغم كل الأعذار والنوايا الحسنة.
ولكن مالا يمكن أن نتقبله بأي حالٍ من الأحوال، بل ويجب التصدي له بمنتهى الوضوح والقوة والحسم، هو تلك المطالب التي يمكن أن تمس أمننا القومي، أو تنذر بمخاطر عليه في المستقبل القريب أو البعيد، ومن تلك المطالب التي أراها من هذا القبيل، والتي يثور ويتصاعد الجدل بشأنها من وقت لآخر، ويتم تناولها في بعض الأحيان بقدرٍ كبير من الشمولية والسطحية، وفى أحيانٍ أخرى بشىء من سوء القصد أو الضغائن الشخصية، ما اصطلح على تسميته بمطالب أهل سيناء وحقوق أهل النوبة ، وهو ما نعرض له على النحو التالي:-
أولا: في ظل منظومة الفوضى والانفلات الأمني التي أشرنا إليها والتي عمت ربوع الوطن، وكان لمنطقة سيناء النصيب الأوفر والأخطر منها، حتى أصبحت مستعمرةً لكثير من الجماعات والتنظيمات الإرهابية، وبشكلٍ بات يهدد بنزع سيادة الدولة على هذا الجزء العزيز من أرض الوطن، ثار الجدل والنقاش حول مطالب أهل سيناء، فادعى البعض أنهم عاشوا محرومين من حقوق

المواطنة التي يتمتع بها غيرهم، وهذا غير صحيح بالمرة، ولو قارن المنصفون بين حال أهل سيناء وأهل الصعيد على مدار العقود الطويلة السابقة، لتبين لهم ضلال هذا الادعاء، الذي كان ستارا لأغراض أخرى، منها إقرار نظام خاص في الأمن والقضاء لمنطقة سيناء وتخصيص نسبة مئوية محددة في البرلمان لتمثيل سيناء والسماح بتملك الأراضي بلا قيد أو شرط أو التزام بقوانين الدولة السارية في هذا الشأن، وكلها مطالب ظاهرها الرحمة وفى حقيقتها تمهيد لانفصال سيناء عن الوطن حسب المخطط الأجنبي المسمى بالشرق أوسط الجديد الذي يعد أخطر تهديد لأمننا القومي، بل لأمن واستقرار المنطقة العربية بأسرها.
كما زعم البعض، بأن عدم تنمية سيناء كان السبب في انتشار حالة الانفلات الأمني بها ثم احتضانها للجماعات الإرهابية، وتغافل هؤلاء الدور الآثم للنظام السابق في استقدام تلك الجماعات وإيوائها وحمايتها في هذه المنطقة التي ساعدت بطبيعتها الجغرافية وتركيبتها السكانية على ذلك.
كما غاب عن الكثير حقيقة مهمة، وهى أن الصحراء تعد من أهم وأقوى الموانع الطبيعية، ولذلك استقر في الاستراتيجيات العسكرية، أن الصحراء الحدودية هى التي تحمى الدولة وليس العكس، ومن هذا المنطلق فإن تنمية سيناء لا يكون بالبناء المفرط أو التعمير العشوائي، ولكن لابد أن يكون بمحددات دقيقة تتفق مع اعتبارات ودواعي الأمن القومي.
ثانيا: أما عن أهل النوبة، فقد كان نزوحهم للعيش والاستقرار على أملاك الدولة بضفاف النيل جنوب أسوان، عقب ارتحالهم بين مناطق شتى حتى عام 1902. وبعد نحو ستين عاماً، ومع بداية المشروع القومي ببناء السد العالي الذي اتحد حوله كل المصريين، كان لابد من أخلاء بعض المناطق حول مجرى نهر النيل لإقامة المشروع، وبروح الانتماء الوطني رحبت الأسر النوبية بذلك، وتم نقلهم بمحض إرادتهم إلى أماكن أخرى أعدت جيداً لإقامتهم بشكلٍ أفضل، مع صرف تعويضات مجزية لهم جميعاً، فلم يكن تهجيرهم قسرياً، بل كان طوعيا بإرادة وطنية واعية، ولم يكن نقلهم مؤقتاً وإنما كان نهائياً ودائماً، وبالتالي فإن إثارة هذا الموضوع الآن تحت عنوانٍ خبيث عن حق أهل النوبة في العودة لوطنهم وإحياء لغتهم القديمة، إنما يرسخ لعرقية جديدة تساعد على تفتيت الدولة المصرية وإعادة تقسيمها من جديد، وهو ما يتعارض حتماً مع مقتضيات ودواعي أمننا القومي .حفظ الله مصرنا الغالية، وهدانا جميعاً سواءَ السبيل.
لواء بالمعاش
أحمد عبد الفتاح هميمى