رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محنة القرضاوي: بين الهوى والهوس

مقالات الرأى

الخميس, 26 ديسمبر 2013 00:37
بقلم - أسامة الغزولى

أظهر الدكتور عبدالله النجار قدرا كبيرا من التحفظ ومن ضبط النفس وهو يتحدث عن الشيح القطري يوسف القرضاوي، على شاشة المحور رغم أنه أوضح ضيعة الشيخ بين الهوى

والهوس. لكننا لن نتحفظ وسوف نسمي الأشياء بأسمائها بداية من اعتبار القرضاوي شيخا قطريا. أعلم أن القرضاوي مصري بالميلاد، وأنه – على الأرجح – لا يزال يحمل جواز سفر مصريا. لكن الإنسان الذي يحمل جنسيتين يختلف، بقوة الضرورات القاسية التي تفرضها حياة المتجنس، عن المواطن الذي يبقى داخل الأطر القانونية والمعيشية لجنسيته التي ولد بها وعن المهاجر الذي يحافظ على جنسيته الأصلية. فكل بلد يفرض على من يأكل خبزه ويتنفس هواءه، وبشكل خاص على ذلك الذي يحمل جنسية البلد المضيف ويتطلع لمشاركة سكانه الأصليين خيرات بلدهم، أن يعيد صياغة حياته لتلائم أوضاع البلد المضيف. وكلما أوغل المهاجر في أعماق وثنايا البلد المضيف ابتعد، بالضرورة عن بلده الأصلي وعن مصالحه ونواميسه وآدابه. إنها مأساة عشتها سنوات طويلة في مناف عربية وأوروبية، ووجدت في تجربتي الطويلة كمهاجر أن أكثر الناس تورطا في هذه الازدواجية ومعاناة منها هم من اقتربوا من حكام البلاد المضيفة. لا فرق هنا بين بلد عربي وآخر أوروبي أو أمريكي.فلكل الأوطان، كبرت أم صغرت، بعدت أم قربت، مصالحها ونواميسها وآلياتها التي تفرض بها هذه القواعد الملزمة على من يعيشون فيها.
وحالة القرضاوي هي، من هذه الناحية، حالة خاصة. فهو شديد القرب من صانع القرار في منفاه الاختياري، في البلد الذي اختاره ليستثمر فيه «المظلومية» الإخوانية منذ نطحت جماعته حائط الدولة المصرية في خمسينيات القرن الماضي، هم والدول

الثلاث التي حاولت إجهاض ثورة يوليو، في الفترة من 5 مارس 1954حتى 31 ديسمبر 1956 فكانت النتيجة دخول الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية مرحلة الاحتضار وتحطم قرون وأسنان الإخوان المسلمين وفوز إسرائيل بمظلة نووية. استفاد من الأزمة من استفاد وخسر من خسر، وبقيت جمهورية يوليو.
وبرعاية المستفيد الأول من أحداث هذه الحقبة وهي الولايات المتحدة راح الإخوان يستثمرون مظلوميتهم ويستدرون عطف الناس في مختلف أنحاء العالم الأمريكي. واختار الشيخ القرضاوي قطر ليبيع فيها مظلوميته بجاه ومناصب ونفوذ، خاصة وأن شريك الإخوان المسلمين في الحرب المطولة ضد الديمقراطية السياسية المصرية في زمن مصطفى النحاس وضد الديمقراطية الاجتماعية المصرية في زمن جمال عبدالناصر، وهي بريطانيا التي بقيت قوة مهيمنة على الخليج حتى السبعينيات، لم تكن أقل من وريثها الأمريكي حرصا على تسويق المظلومية الإخوانية آنذاك. وأحضان عمدة لندن كنيث لفنغستون (كين الأحمر) التي كانت مفتوحة على الدوام ليوسف القرضاوي دليل على أن قلب بريطانيا حنون للغاية، كلما تعلق الأمر بالإخوان المسلمين.
برعاية أمريكبة بريطانية استثمر الإخوان «مظلوميتهم» في البلاد الغنية من ألمانيا إلى سويسرا إلى دول النفط الخليجية، وكلما لامهم أحد قالوا: «فررنا إلى الله بديننا فجاءتنا الدنيا في الركاب». وهنا تثور نقطة مهمة جدا. هل انتساب المسلم إلى جماعة معينة مثل الإخوان أو إلى حركة سلفية أو جماعة صوفية أو حتى إلى هيئة علمية معتبرة مثل
الأزهر الشريف يعطيه حصانة تجعله فوق النقد وتجعل تحركاته وولاءاته فوق الشبهات؟ هل تنافس جماعة مثل الإخوان المسلمين مع غيرهم على رضا الملك فاروق أو على تمويل من السفارة البريطانية هو صراع لرفعة الإسلام ولنصرة دين الله؟ وهل ما حارب الإخوان عليه عبدالناصر كان هو الدين لمجرد أنهم رفعوا شعارات دينية أو حتى بلغوا مرتبة معينة من العلم؟
لابد أن نتذكر أن المسلم أيا كانت صفته تتقرر صفته بعمله ولا يتقرر عمله بصفته. إن عمل الإنسان شرا فهو شرير وإن عمل خيرا فهو خيّر. ولو سرقت فاطمة بنت محمد لأقام محمد عليها الحد. ففي الإسلام لا قيمة لصفتك أو مكانتك ما لم يسندها عمل كأن فعل الواحد شيئا طيبا فهو طيب وإن أقعى تحت قدمي حاكم أو لجأ إلى أحضان «كمين الأحمر» فهذا مقامه. ونحن لا ننخدع بالألقاب التي يوزعها كهنة اليمين الديني على بعضهم: فهذا إمام العصر وذاك حجة الزمان. وبعضهم، مثل القرضاوي، ينشئ الهيئات ويعين نفسه رئيسا لها، كما أشار عبدالله النجار. لكننا نحكم على الناس بما يقولون وبما يفعلون. وعندما شاهدت القرضاوي وهو يقول لقناة روسيا اليوم: كل هذه الثورات ثوراتي قلت هذا رجل مخرب يتاجر بالدماء. الناس تموت في الشوارع وهو يحول الموت إلى بضاعة يرفع بها شأن نفسه مع الدول المختلفة.
نحن لن نتحفظ كما فعل الدكتور النجار بل نقول ببساطة ووضوح: هيئة كبار العلماء هي هيئة مصرية ومن لا يراعي مصالح مصر لا مكان له فيها. وإذا كان القرضاوي الذي يعيش اليوم في غير زمانه يريد الانتساب لهيئة مثلها فليطلب من حكومة قطر أن تنشئ له هيئة لكبار علماء قطر ليصبح رئيسا لها وليس مجرد عضو فيها، وإن كنت أرى أن لهفته على موقعه (السابق) في هيئة كبار العلماء المصرية قد يكون سببه أن أيامه في قطر باتت معدودة. وبالتالي فليس أمامه إلا أن يلجأ للأصدقاء في هوايت هول لينشئوا له هيئة كبار العلماء في بريطانيا إنشاء الله حتى يبقى هو رئيسها.