رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«شرعية» الحاكم في المنظور الفقهي

مقالات الرأى

السبت, 21 ديسمبر 2013 23:34
دكتور أحمد محمود كريمة

الحاكم أيا كان وصفه: ملك، سلطان، أمير، رئيس، مجرد وكيل عن الأمة في خدمتها، تسري عليه أحكام الوكالة كونها من العقود الجائزة، وعليه فالوكالة تنتهي بالعزل والوفاة وفقدان الأهلية المعتبرة شرعا من فقدان العقل والإرادة، وتعدي الوكيل فيما وكل فيه (بدائع الصنائع 6/51، حاشية الدسوقي 3/396.

مغني المحتاج 2/231، المغني 5/242)، والحاكم ليس معينا من الله عز وجل ولا رسوله صلي الله عليه وسلم فالحكم السياسي وإن كان واجبا إلا أن وجوبه من جهة «العقل» لا من جهة «الشرع» وليس للحاكم «حق إلهي» دل علي ذلك النص الصريح من سيدنا أبي بكر رضي الله عنه: «إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني.. فعبر «وليت» لم يقل: «ولاني الله ولا ولاني رسول الله صلي الله عليه وسلم، ووضح أنهم في حلّ من طاعته إن خالف المنهج، وقوله سيدنا عمر رضي الله عنه: «إني والله ماأنا بملك فأستعبدكم، إنما أنا عبدالله عرض عليّ الأمانة، فإن أبيتها رددتها عليكم..» ومع دعوة الشرع المطهر بنصوصه واضحة الدلالة في طاعة الحاكم العادل فليس ذلك لشخصه بل للصالح العام من الأمن الاجتماعي، وحض الشرع علي عدم الخروج عليه من آحاد الناس أو فئة قليلة يسمون «بغاة»، إلا أن الأكثرية إذا رأت خلعه يخلع ويعزل، وقد ذهب جمهور الفقهاء الي جواز الخروج علي الحاكم الظالم الجائر، فقد أفتي الإمام مالك - رضي الله عنه - بالخروج علي أبي جعفر المنصور وخلعه ومبايعة محمد النفس الزكية الذي خرج بالسيف رغم مبايعتهم

لأبي جعفر هذا، ومذهب الشافعي جواز الخروج علي حاكم الظلم، وأيد أبوحنيفة - رضي الله عنه - خروج سيدنا زيد بن علي - رضي الله عنهما - بل وأمده بالمال وحث الناس علي مساندته «آيات الأحكام للجصاص» ووضح ابن حزم الظاهري تهافت ادعاء الإجماع علي حرمة معارضة الحاكم الظالم والخروج عليه، كما هو جنوح حنابلة ومتسلفة!، ذكر ذلك ودلل علي مخالفة شذوذ الحنابلة في المسألة بأن سادتنا آل البيت رضي الله عنهم وأفاضل الصحابة وبقية السلف - رضي الله عنهم - يوم «الحرة» خرجوا علي يزيد بن معاوية، وأن سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما ومن تابعه من الأخيار خرجوا عليه وأن الحسن البصري وأكابر التابعين رضي الله عنهم خرجوا علي الحجاج بسيوفهم، وأورد ابن كثير في التاريخ، وتعددت أقوال أئمة العلم علي جواز تغيير الحاكم وخلعه لجوره وظلمه أو لعجزه وفشله فمن ذلك ما قاله الجويني في «أصول الاعتقاد» وما في «غياث الأمم»، والأيحي في «المواقف»، وبمثل ذلك قرره الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه «الخلافة » فقد صرح: «إن أهل الحل والعقد يجب عليهم مقاومة الظلم والجور والإنكار علي أهله بالفعل وإزالة سلطانهم الجائر ولو بالقتال، إذا ثبت عندهم أن المصلحة في ذلك هي الراجحة والمفسدة هي المرجوحة، وما صرح به
الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالي: «إن وظيفة الحاكم في أي بلد مسلم أن يحرس الإيمان ويقيم العدالة ويصون المصالح فإذا فرط في أداء هذه المصالح وجب إسقاطه»، «الإسلام والاستبداد السياسي»، وما قاله الدكتور عبدالكريم زيدان: «الأمة هي التي تختار الحاكم، ولها حق عزله لأن من يملك حق التعيين يملك حق العزل»، «أصول الدعوة»، وذكرت مصنفات الفقه في مسألة «دوام الحاكم» الإمام تفصيلات أهمها ما روي عن مالك بن أنس رضي الله عنه: إذا كان الإمام مثل عمر بن عبدالعزيز وجب علي الناس الدفاع عنه والقتال معه، وأما غيره فلا، دعه وما يراد منه، ينتقم الله من الظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما «الخرشي 8/60»، وتأسيسا علي ما ذكر في عجالة ووجازة:
1 - ممارسة أعمال عنف مسلح تعصبا لحاكم خلعته الأكثرية الكاثرة، وأقر الخلع «أهل الحل والعقد» - رؤساء الناس ويمثلهم الآن رؤساء جهات سيادية بالدولة، بدعوي «شرعية» اجتراء وافتراء منهم علي الدين الحق يوصمهم بالبغاة.
2 - لا توجد «شرعية دينية» تمنح أو تعطي الحاكم البقاء في سدة الحكم بفشله وظلمه رغم أنف الأمة التي اختارته.
3 - الحاكم مجرد وكيل يجوز عزله للمصلحة العامة للبلاد والعباد.
4 - طاعة الحاكم العادل في حدود الشرع المطهر، وذلك بإعانته بما هو مشروع وليس بما هو محظور وممنوع.
آن الأوان لفقه صفة الحاكم، ومعرفة معالم ذلك من الوجهة الشرعية السليمة بعيدا عن «راية عمية يدعي لها ويتعصب لها» ولأجلها تراق ودماء وتخرب أموال وتنتهك أعراض، وما صنيع بني أمية منا ببعيد، وما ممارسات «الإخوان» في عنفهم المسلح وأشياعهم لحاكم منهم هم قبل غيرهم يقرون عدم صلاحيته «لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد» وعاينوا الأكثرية الكاثرة في وجوب عزله وانقياد «أهل الحل والعقد» لإرادة من ولوه وعزلوه، بغائبة، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ فلا شرعية دينية، بلا عمل خاضع لشروط المصلحة العامة والعرف السليم.

أستاذ الشريعة الإسلامية جامعة الأزهر