مدنية الدولة المصرية.. الخيار الأمثل

مقالات الرأى

الأحد, 24 نوفمبر 2013 22:05
بقلم - دكتور رضا سميع أبوالسعود


لقد شهدت الساحة السياسية المصرية سجالاً سياسيًا وفكريًا حادًا حول طبيعة الدولة المصرية وتوجهاتها فى أعقاب ثورة الـ25 من يناير 2011م التى أطاحت بالنظام السابق، ورفعت شعاراتها المعروفة بـ«عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية ـ كرامة إنسانية».

ومع مرور الوقت تبدلت المواقف وتباينت الرؤى بين كافة القوى المشاركة فى الثورة، ووصل الأمر بينها إلى الصراع الفكرى الحاد، بين طرفين أو قطبين أحدهما يرفع شعار الدولة المدنية، ويعزز هذا الطرف وضع الدولة المصرية نفسها بمؤسساتها السياسية المستقرة فى الحكم عبر مئات السنين، كذلك ما تضمنته وثيقة الأزهر الشريف وهو قلعة الإسلام السنى ومرجعيته العلمية على المستوى العالمى من تأييد حاسم للدولة المدنية التى قوامها المواطنة والديمقراطية والحرية السياسية.
بينما يرفع الطرف الآخر شعارات الدولة الدينية الثيوقراطية مستندًا إما إلى أدبيات وافدة من المشرق الإسلامى أو إلى قوة التنظيم والحشد الجماهيرى فى الشارع المصرى، بقصد إظهار القوة وإرهاب الطرف الآخر، فكان تنظيم المليونيات المتعددة للاحتجاجات على الوثائق الحاكمة للدستور التى تم عرضها على القوى السياسية لإيجاد توافق عام حولها، فيما عرف بوثيقة الجمل (نسبة إلى الدكتور يحيى الجمل) ثم وثيقة السلمى (نسبة إلى الدكتور على السلمى).
وفى الحقيقة، لقد أزعج هذا الجدل والسجال الدائر حول مفهوم الدولة المدنية الكثير من المصريين، فتم طرح فكرة ملتبسة عن مدنية الدولة المصرية من قبل بعض القوى، إما ناتج عن جهل بالتاريخ وبالحقائق الثابتة والمستقرة، أو بقصد تصدير صورة ـ متعمدة ـ مشوهة عن مفهوم الدولة المدنية، رغم ما هو معلوم للجميع بأن الدولة المدنية موجودة وحقيقة وواقع معاش فى مصر منذ أسسها محمد على باشا عام 1809م عندما تخلص من الزعامات الدينية والأزهرية عندما نفى مشايخ الأزهر والأشراف وعندما وجه ضربته الثانية للثيوقراطية العسكرية الممثلة فى قادة المماليك عام 1811م، ليستأثر بحكم مصر منفردًا ويقيم دولته الموعودة.
ولقد حاولت كل من الثيوقراطية الدينية

والعسكرية العودة إلى حكم مصر ـ فى العصر الحديث ـ عدة مرات نذكرها فيما يلى:
المحاولة الأولى لعودة الثيوقراطية الدينية كانت فى منتصف عشرينيات القرن الماضى عندما ألغيت الخلافة العثمانية فى تركيا سنة 1924م عقب هزيمة تركيا فى الحرب العالمية الأولى، واقترح بعض المقربين من القصر الملكى بمصر أن على الملك أحمد فؤاد الأول إقامة خلافة (وراثية) بديلة عن الخلافة العثمانية، وتكون مصر مركزها، ووجد الملك فؤاد أن الفرصة أصبحت مواتية للجميع بين السلطتين الزمنية والدينية فى آن واحد، فى مواجهة الزعامة الشعبية التى يمثلها سعد زغلول وحزب الوفد، وحتى يمكنه استعادة حقوقه المسلوبة ـ من وجهة نظره ـ فى حكم البلاد حكمًا انفراديًا لا ينازعه فيه أحد، والذى تم تحجيمه بموجب دستور 1923م  باعتباره ملكًا دستوريًا يملك ولا يحكم.
ولاقت هذه الدعوة بعض القبول من بعض رجالات الأزهر، رغم معارضة شيخ الأزهر المغفور له الشيخ محمد أبوالفضل الجيزاوى لهذه الدعوة، مبررًا اعتراضه بأن مصر دولة محتلة وغير مؤهلة فى الوقت الراهن لتولى مركز الخلافة وتحمل استحقاقاتها، ثم جاء كتاب الشيخ على عبدالرازق الذى حمل عنوان «الإسلام وأصول الحكم» لينسف مشروع الخلافة من أساسه ويطيح بحكومة الأحرار الدستوريين فى نفس الوقت أيضًا.
وكانت المحاولة الثانية لعودة الثيوقراطية الدينية للحكم أثناء تولى فاروق الأول عرش مصر ـ بعد وفاة والده فؤاد الأول ورفع الوصاية عنه ـ حيث أعيد طرح فكرة الخلافة الإسلامية (الوراثية) المدنية من جديد من جانب الأمير محمد على ـ أحد أمراء الأسرة العلوية ـ ولاقت الفكرة تأييدًا من رجال الأزهر بقيادة الشيخ المراغى وجماعة الإخوان المسلمين بقيادة
الشيخ حسن البنا المرشد العام الأول ـ حينئذ ـ ولكن تصدى للفكرة هذه المرة مصطفى النحاس باشا وحزب الوفد، وأصر النحاس على عدم خلط الدين بالسياسة.
وكانت المرة الثالثة لعودة الثيوقراطية الدينية عندما حاولت جماعة الإخوان المسلمين السيطرة على حركة يوليو 1952م بعد أن دعمتها فى الشارع المصرى، نظرًا لأن حركة الجيش لم يكن لها ظهير شعبى فى بداية الأمر قبل تشكيل هيئة التحرير فى يناير 1953م، ووجد الإخوان الفرصة فى امتطاء الثورة والوصول إلى الحكم ولكن ما لبث أن دب الخلاف بين الجماعة وتنظيم الضباط الأحرار فى أول تشكيل وزارى، ومطالبة الإخوان من الضباط الأحرار بتشكيل لجنة تراجع كافة القوانين والقرارات الصادرة ومدى مطابقتها للشريعة الإسلامية، ثم انتهى الصراع السياسى إلى المواجهة العلنية بين الطرفين بعد ذلك.
ثم كانت المرة الثانية لعودة الثيوقراطية العسكرية للحكم فى مصر إثر انقلاب يوليو 1952م وإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية فى 18 يونية 1953م بعدها ظلت البلاد ترزح تحت ربقة الحكم العسكرى، ولم تبرأ منه حتى جاء السادات إلى السلطة وتحول بالبلاد من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية بعد أن ألقى القبض على مراكز القوى وأودعهم رهن الاعتقال فى مايو 1970م.
ثم جاءت العودة الثانية للثيوقراطية العسكرية عقب ثورة يناير 2011م عندما كلف الرئيس الأسبق ـ كما جاء فى بيان التنحى ـ القوات المسلحة بإدارة شئون البلاد، وتم حكم مصر من خلال المجلس العسكرى الذى يضم قادة كافة الفروع العسكرية فى الفترة الانتقالية الأولى، حتى تم انتخاب الرئيس محمد مرسى رئيسًا للجمهورية وهى معلوم انتماؤه لفكرة الثيوقراطية الدينية، لتقع مصر ولأول مرة فى قبضة الثيوقراطية الدينية بعد مرور أكثر من 200 عام على إنشاء الدولة الحديثة.
ومما سبق يتضح أن أطراف الصراع السياسى فى مصر منذ بداية النصف الثانى من القرن العشرين إلى الآن تتمثل فى التنظيمات الدينية والمؤسسة العسكرية، ويرجع ذلك إلى ضعف الأحزاب المدنية نتيجة التضييق والحصار وسياسة الإضعاف التى مارستها نظم الحكم المتعاقبة بعد يوليو 1952م، ضد المجتمع المدنى والأحزاب المدنية ـ ولا سبيل أمامنا الآن إلا باستعادة الدول المدنية التى تتسع لجميع أبنائها من خلال وضع دستور يجرم ويحرم قيام أحزاب أو حركات سياسية على أسس مذهبية دينية أو عرقية، ويحدد شكل الدولة ويحدد مهام مؤسساتها، ويحدد دور المؤسسة العسكرية فى حماية الدولة المدنية مثل النموذج التركى.. وللحديث بقية.