المصالحة الواجبة فورا

مقالات الرأى

الأربعاء, 13 نوفمبر 2013 23:13
بقلم: أسامة الغزولي

هناك ثلاثة كتل لابد أن يجري معها المجتمع والدولة صلحا تاريخيا. الكتل الثلاثة هي السلفيون والصوفيون والمسيحيون. الصلح يعني الاعتذار المتبادل ثم التعديل المتبادل للمسار. واجبنا أن نعتذر للسلفيين لأننا أهملناهم لصالح جماعة سرية محظورة تركنا لها الحبل على الغارب وسمحنا لها بممارسة دور وصل إلى حد أن اختطفت الجماعة السرية المحظورة رئاسة الجمهورية عندما تخلينا جميعا  عن منافسه أحمد شفيق. وبالنتيجة خسر  شفيق، وخسرت طائفة لا علاقة له بها وهي طائفة السلفيين، فكل مكسب للإخوان خسارة للسلفيين. لماذا؟ لأن عدوك ابن مهنتك.

الاعتذار واجب إذن، من قبل المجتمع والدولة، للسلفيين الذين هم أيضا مدينون لنا بالاعتذار. إنهم أشبه ببائعة اللبن التي وجدت بائعة اللبن المنافسة تكسب كثيرا بغش اللبن فغشت اللبن هي الأخرى لكي تكسب مثلها. ويكفي أن نذكر ما نسبته الأهرام المسائي إلى زعيم السلفية الجهادية في سيناء الإمام القهوجي عادل حبارة من أنه استلهم في عدائه للدولة الوطنية المصرية دروس الداعية التلفزيوني محمد حسان لكي نطالب بأن يعتذر السلفيون جميعا ونطالب النجم التلفزيوني السلفي محمد حسان بأن يختفي تماما من الفضاء العام، وأن يختفي معه الكلام المرسل عن الدولة الكافرة وعن الخلافة الإسلامية وكل هذا الخطاب المسلوق هو امتداد للتخاريف الخوارجية التي اخترعها مدرس الخط حسن البنا.
وأصل المشكلة هو أن التخاريف العنترية الإخوانية أبهرت السلفيين، خاصة عندما يقفون في شوارع القاهرة ويصرخون بأنهم ذاهبون لتحرير العراق أو تحرير القدس وما إلى ذلك، ثم يعودون إلى بيوتهم بعد معركة مع الحكومة المصرية التي تريد حفظ النظام وحماية الممتلكات العامة الخاصة، لكن الصدى البطولي الزائف يعجب الكثيرين. وهكذا إنجر السلفيون إلى ألعاب الإخوان وصاروا منافسين لهم

في مضمارها. لكن مسألة مجاراة الإخوان في غيهم اكتسبت بعدا أخطر عندما تبارى السلفيون مع الإخوان في أسوأ لعبة اخترعوها وهي لعبة نشر مشاعر الكراهية للمسيحيين واتهامهم في وطنيتهم والعدوان على الكنائس. وإذا كانت المسيرات الدونكيشوتية ضد عدو بعيد تتسبب بخسائر مادية ومعنوية محدودة للمجتمع والدولة، والمعارك ضد الدولة تنتهي في مصر – دائما – بانتصار مادي ومعنوي ساحق للدولة وترسيخ قاعدتها الشعبية، فافتعال الخصومة التي لا يمكن أن يكون لها أساس بين أبناء الوطن الواحد هو أكبر خطر تتعرض له بلادنا. ولابد للسلفيين من اعتذار فوري عن كل موقف سلبي اتخذه أي منهم ضد المسيحيين.
أما الصوفيون فهم ضحايا الحداثة المستعارة من زمن دولة «الباشا والأنجال» التي أسسها محمد علي حتى زمن التحديث من أعلى لأسفل ومقايضة الاستقلال بالديمقراطية من 1954 حتى اليوم. محمد علي وجمال عبد الناصر أعطيا مصر الكثير. يعلو عطاء عبد الناصر على كل عطاء سبقه أو لحقه حتى اليوم لكنه شارك محمد علي في تفكيك الصيغة «السنية الصوفية» التي ابتكرها قايتباي ومن جاء بعده من حكامنا الغز المماليك، الذين خلقوا أساسا عظيما لتناغم عقدي وروحي بين الحاكم والمحكوم. صحيح أن عرابي و سعد  و ناصر نقلوا الوحدة بين الدولة والمجتمع من الفضاء المملوكي «السني – الصوفي» إلى الفضاء الحداثي «الوطني المتدين» لكن هذا لا يبرر ما تعرض له الصوفيون من تهميش. ولهذا فالاعتذار واجب، من الدولة والمجتمع، للصوفيين.
لكن الصوفيين الذين استسلموا للتهميش ولم يقاوموه بترقية الخطاب السلفي ليخرج من القرون الوسطى التي لا يزال قابعا في جوفها وبترقية معارف أتباعهم وبدفعهم للرقي المادي والمعنوي، ولم يقاوموه بالاستقلال عن الحكومات المستبدة ورفض الاستزلام لها، كل هذا يستوجب الاعتذار وتغيير المسار بالوقوف في مقدمة القوى الوطنية الداعية للتحديث والديمقراطية والأخوة الوطنية. أريد أن يكون مستوى الدراسات الصوفية في مصر في مستوى الدراسات الصوفية في فرنسا. وأن يكون الفرد الصوفي غنيا بالمال والعلم. وتقصير القيادات الصوفية في السعي نحو هذه الغايات أوسع كثيرا للإخوان.
أما المسيحيون فهم يستحقون اعتذارا كبيرا. إن تجرؤ كل سفيه غليظ القلب على المسيحيين المصريين يعني أن قيم المواطنة التي دعا إليها عرابي وسعد  وناصر لم تترسخ. كيف تأتى أن تتعرض الكنائس في مصر الحرة لاعتداءات لم تتعرض لها بهذا الاتساع والفُجر في ظل الاحتلال البريطاني؟ اللورد كرومر يسخر منا في قبره. قهقهاته تخترق جدران القبر وهو يوجهها لأجيال من أبطال الوطنية المصرية من المسيحيين الذين وضعوا ارواحهم على أكفهم وحاربوا الاحتلال وراء عرابي باشا وسعد باشا والرئيس المؤسس جمال عبد الناصر. هل نحن بحاجة لاحتلال بريطاني ليحمي وطنيتنا وإنسانيتنا من كل ما يتعرض له المسيحيون المصريون؟ ألا نستطيع أن نحمي أولادنا وبناتنا بأنفسنا؟ هل ننتظر الحماية الدولية لقسم من شعبنا؟ الاعتذار الواجب من المجتمع والدولة للأبناء والبنات من المسيحيين هو اعتذار كبير.. كبير.
والمسيحيون مطالبون هم أيضا بالاعتذار لأنهم قلدوا أسوأ فصيل في المجتمع وهو الإخوان المسلمون وظهر منهم من قال إن المسيحية دين ودولة وإن الإنجيل دستورنا والمسيح قائدنا. المسيح الذي أراد أن يملأ العالم بنور المحبة أراد بعض المسيحيين أن يجعلوا منه زعيما سياسيا طائفيا، لمجرد أن الزيطة الإخوانية في زمن السادات – مبارك ملأت الأسماع والأبصار. من كان يتصور أن يصدر هذا عن مسيحيي مصر الذين علموا الدنيا كلها تعاليم المسيح، له المجد؟
المصالحة بين كل كتلة من الكتل الثلاث وشريكتيها في الوطن  تسبق المصالحة بين كل واحدة منهم على حدة وبين الدولة والمجتمع، هي البداية لخلق سلام اجتماعي لا تقدر مؤامرات الإخوان ومغامراتهم على تمزيقه.