رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بكيت لوفاته

مقالات الرأى

السبت, 26 أكتوبر 2013 22:13
بقلم - د. الشافعي محمد بشير

 

رحم الله الدكتور عبدالعزيز مخيمر، أستاذ القانون الدولي بكلية الحقوق في جامعة المنصورة، فقد فاجأني عامل المكتب مساء بالنبأ الذي أبكاني طويلاً بعدما كانت دموعي قد جفت منذ وفاة زوجتي، حتي إن طبيب العيون وصف لي دواء يدر الدموع لترطيب العين، كما لو كان قد كتب علي أن أعاني آلام العين عندما تدمع وأعاني كذلك عندما تتجمد الدموع حتي سمعت خبر وفاة الدكتور عبدالعزيز مخيمر وانهمرت الدموع طويلاً.

فقد عمل معي بقسم القانون الدولي بعد عودته من فرنسا حاملاً درجة الدكتوراه في القانون متخصصاً في حماية الإنسان من آثار تلوث البيئة، وعمل بالقاهرة مع الأستاذ الدكتور القصاص عالم البيئة المصري وقام بتدريس قانون البيئة الدولي وتخرج من تحت يديه جيل من الطلاب المثقفين بعلم البيئة دولياً ووطنياً.
وقد لا يعرف البعض قيمة حق الإنسان في البيئة النظيفة مثل هؤلاء الكبار الذين نقلوا مصنع السماد من السويس أثناء حرب الاستنزاف إلي شاطئ النيل بين المنصورة وطلخا، فعندما كنا في معسكر القوات البحرية بميناء الأدبية القريب من مدينة السويس، لم تكن ملوثات جو مصنع السماد تصل إلينا أو إلي أهل السويس، إذ كان عبود باشا قد أقام المصنع عند جبل عتاقة في الصحراء بعيداً عن المناطق السكنية، فلم يكن

أحد يشكو من الأبخرة الضارة في الجو أو يشكو من تلوث مياه البحر بما يلقيه المصنع بها، ثم شنت إسرائيل ضربات عنيفة بالمدفعية الثقيلة علي السويس وخشي أصحاب الأمر من تدمير مصنع السماد فقرروا نقله إلي داخل الدلتا وكان من نصيب طلخا والمنصورة، وتسبب في إحداث تلوث خطير في الجو ومياه النيل مما أثار الشكوي العامة لأهل المنصورة وطلخا، وتدخلت جامعة المنصورة لحماية البيئة الإنسانية، فعقدت ندوات علمية شارك فيها أساتذة كلية العلوم وكلية الطب والزراعة حيث عرض أعضاء هيئة التدريس نتائج أبحاثهم علي محافظة الدقهلية.
واقترح الأستاذ الدكتور أمين عبدالله أستاذ الكيمياء عدداً من التدابير الوقائية منها عمل مداخن عالية لتصريف البخار في الجو بعيداً عن الأرض بقدر الإمكان مع تدوير المخلفات السائلة للمصنع وعدم إلقائها في مجري النيل، وقد أخذت المحافظة والمصنع بتلك المقترحات لتحسين حالة البيئة في المنطقة.
والعلماء الذين اهتموا بالبيئة في المنصورة سبقهم علماء يهتمون بالبيئة الإنسانية للإنسان المسجون عندما اتضح أنه يعاني معاناة كبيرة من سوء بيئة السجن، فدعت الأمم المتحدة إلي مؤتمر دولي لعلماء
القانون الجنائي عام 1955 حيث وضع قواعد نموذجية لمعاملة السجناء وأقرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي عام 1957 لكي تنفذها الدول مثل توفير جميع المتطلبات الصحية لاستخدام المسجونين كالمراحيض النظيفة ودخول الهواء النقي في الزنزانة وتوفير منشآت الاستحمام بالماء النظيف، وهو ما لم نجده في سجن المنصورة العمومي عندما دخلناه للاستماع إلي شكاوي الطلاب المعتقلين فيه، وكان ستة عشر شاباً محبوسين احتياطياً في حجرة ضيقة دون مرحاض يقضون فيه حاجاتهم مما اضطر بعضهم للتبول ليلاً في ثقب مفتاح الباب.. وبالعكس من ذلك فإننا زرنا سجن أبوزعبل عند اعتقال عدد من أساتذة الجامعة والطلاب وشهدنا كتابة في مقال منشور بحرص مدير السجن علي نظافة البيئة وتوفير المياه النقية للاستحمام.. وهو ما لم يتوفر في سجون أخري زارتها منظمة الميدال إيست ووتش M.E.W بدعوة منا للتفتيش علي أحوال السجون المصرية، وقد دخلتها فعلاً بعثة المنظمة الدولية برئاسة المناضلة فيرجينيا شيري ونشرت تقريراً سيئاً عام 1993 ذكرت فيه ظروف البيئة السيئة للسجون المصرية، ففي ليمان طره مثلاً نزل 147 سجيناً أو أكثر في عنبر مساحته 30*6 أمتار تقريباً بظروف سيئة جداً من الناحية الصحية، وأن عنابر النوم المزدحمة بليمان طرة يوجد بها ثلاثة مراحيض فقط لمائة وسبعة وأربعين رجلاً.. وقد نشرنا نحن سبعة عشر مقالاً عن أحوال البيئة السيئة للسجون المصرية في المدة من 1984 حتي 1999، ولا حياة لمن تنادي.
رحم الله الدكتور عبدالعزيز مخيمر، كان مهموماً بشأن البيئة دولياً ومصرياً.. وأعطي من علمه الكثير علي مدي ثلاثين سنة حتي عاجله الموت فجأة الأسبوع الماضي.. رحمه الله رحمة واسعة.