وقفة مع الصديق الأمريكى

مقالات الرأى

الثلاثاء, 16 يوليو 2013 22:29
بقلم -دكتور: إكرام بدر الدين

مرت العلاقات المصرية الأمريكية خلال ستة عقود من الزمان تبدأ بثورة 23 يوليو1952 ووصولا إلى ثورة 30 يونية2013 بموجات من المد والجزر تعكس درجة قوة أو ضعف العلاقات بين القاهرة وواشنطن، حيث تصل هذه العلاقات في بعض الأحيان إلى درجة البرودة شبه الكاملة إن لم تكن حالة العداء، بينما تصل في أحيان أخرى إلى درجة العلاقات الإستراتيجية والحميمية ويمكن الإشارة في هذا الإطار إلى عدة ملاحظات هامة وذلك على النحو التالي:

1-إن الولايات المتحدة الأمريكية هي القطب الوحيد في عالم اليوم وربما لعدة عقود قادمة ولذلك فإنه ليس من المصلحة اتخاذ مواقف عدائية تجاه الولايات المتحدة أو الصدام معها وخصوصا أن للولايات المتحدة اهتماما بمناطق العالم المختلفة باعتبارها قوة عظمى ومنها الشرق الأوسط وفي القلب منه مصر.
2-إن العلاقات المصرية الأمريكية يجب أن تكون في إطارها الموضوعي مما يعني أن هذه العلاقات تحقق فائدة متبادلة لطرفيها في إطار من المصلحة المشتركة وتؤثر إلى حد كبير على تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وهي من المناطق الحيوية من وجهة النظر الأمريكية نظرا للثوابت في السياسة الخارجية الأمريكية في هذه المنطقة المضطربة مثل الحفاظ على تدفق الطاقة ومكافحة الإرهاب وغيرها من القضايا الحيوية من وجهة النظر الأمريكية.
3-إن لمصر تاريخيا وجغرافيا واستراتيجيا أهميتها الخاصة والمتميزة في منطقة الشرق الأوسط ولا يمكن تجاهلها، أو تجاهل المصالح المصرية وأن ذلك المبدأ الهام يظل قائما رغم تغيير نظم الحكم أو أشخاص الرؤساء أو السياسات الداخلية في مصر، وهو ما

يعبر عنه بوجود علاقة استراتيجية تربط مصر والولايات المتحدة.
4-اتخذت العلاقات المصرية الأمريكية شكلا جديدا ومتميزا عقب توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في عام 1979، ومن هذا التاريخ تقدم الولايات المتحدة معونة سنوية لمصر سواء للأغراض العسكرية أو لدعم الاقتصاد المصري، ويفترض أن هذه المعونة تحقق مصلحة متبادلة للطرفين فهي بالنسبة لمصر تساهم في دعمها اقتصاديا وعسكريا، وبالنسبة للولايات المتحدة فهي تساعد على دعم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والحفاظ على السلام مع إسرائيل.
ويعكس ذلك الشكل الجديد أهمية وقوة العلاقات المصرية الأمريكية وهذا ما يجب أن يكون عليه الحال، ولكن يلاحظ إن النظرة الصحيحة إلى هذه العلاقات تكون في إطار أن مصر دولة مستقلة وذات سيادة وليست دولة تابعة سواء للولايات المتحدة أو لغيرها، كما أن العلاقات الطيبة بين مصر والولايات المتحدة يجب ألا تكون على حساب المصلحة المصرية أو على حساب الأمن القومي المصري، أو تهديد وحدة وتماسك مصر سواء الشعب أو الأرض، كذلك يتطلب الأمر أن تكون هناك ثوابت متفق عليها في العلاقات المصرية الأمريكية حتى لا تتفاقم الأزمة في هذه العلاقات في المستقبل، وربما تتمثل هذه الثوابت في الآتي:
1-إن قوة ومتانة العلاقات المصرية الأمريكية لا تعنيان التطابق التام وفي جميع المواقف بين الولايات المتحدة ومصر لأن المصالح يمكن أن تختلف،
كما أن الأولويات في هذه المصالح يمكن أن تختلف،
ويقصد بذلك أن مصر يمكن أن يكون لها مواقف مختلفة في بعض القضايا عن الولايات المتحدة إعلاء للمصلحة الوطنية المصرية دون أن يعني ذلك العداء أو الصدام مع الولايات المتحدة.
2-إن موضوع المعونات الأمريكية لمصر يجب أن يوضع في إطاره الصحيح وألا يكون وسيلة للضغط على مصر سنويا وأن يظهر الأمر كما لو أن هناك مجابهات بين الكونجرس والإدارة الأمريكية بشأن هذه المساعدات، ولعل الإطار الصحيح لهذه المساعدات أنها تحقق أهداف ومصالح الطرفين المصري والأمريكي.
3-إن قوة ومتانة العلاقات المصرية الأمريكية لا يتيح للولايات المتحدة التدخل في الشأن الداخلي المصري من قريب أو بعيد، فالتطورات السياسية داخل مصر هي شأن داخلي مصري بحت لا يحق لأي طرف أن يتدخل فيه، ولذلك فإن السفيرة الأمريكية في القاهرة قد خالفت المبادئ والأعراف الدبلوماسية بما أدلت به من تصريحات تتعلق بالشئون والتطورات السياسية في مصر وهو ما دفع العديد من الاتجاهات السياسية إلى انتقاد موقفها والمطالبة باعتبارها «شخصا غير مرغوب فيه» وهو ما يعني بلغة الدبلوماسية اتخاذ موقف احتجاجي تجاه الولايات المتحدة دون أن تصل الأمور إلى القطيعة الدبلوماسية، بل يقتصر الأمر على تغيير السفيرة الأمريكية كنوع من الاحتجاج السياسي والدبلوماسي من جانب مصر.
ويمكن القول إن مصر بعد ثورتين يجب أن تتبع سياسة خارجية أكثر استقلالية وألا تكون عرضة للتهديد على فترات دورية بقطع المعونة الأمريكية، وأن يكون هناك استعداد وتقبل لفكرة أن المعونة الأمريكية غير دائمة وأن توقفها لأي سبب لن يؤدي إلى تركيع مصر، وأن تعمل السياسة الخارجية المصرية على تنويع وتقوية وتعددية العلاقات الخارجية المصرية وإنه من المرغوب فيه أن تكون العلاقات طيبة بين مصر والولايات المتحدة  ولكن دون أن يكون ذلك على حساب استقلالية القرار المصري أو ينتج عنه التدخل الأمريكي في الشأن الداخلي المصري لأن ذلك يحتاج إلى وقفة مع الصديق الأمريكي.