مصرنا ومصيرنا

خطاب مفتوح للقوى المصرية الحاكمة والمعارضة

مقالات الرأى

السبت, 18 مايو 2013 00:10
بقلم: الإمام الصادق المهدى

مقومات مصر أهلتها لموقع قيادى فى شئون الأمة، لذلك صار ما يجرى فيها مكان اهتمام الأمة كلها، لاسيما السودان، فعوامل المصير المشترك بيننا تجعل ما يجرى فى المشهد السياسى المصرى مهماً بصورة مصيرية لما يجرى فى المشهد السياسى السودانى، وهو مشهد مأزوم لا سبيل للخلاص من أزماته إلا بأسلوب التراضى التاريخى المنشود.

فيما يلى أتطرق لأسباب الاستقطاب الحاد الذى سيطر على الساحة السياسية المصرية، وما ينبغى عمله لكسب الصراط المستقيم.
فى عام 2002م نشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائى تقريراً ساهم فيه علماء وخبراء عرب، تطرق فيه للتنمية البشرية فى العالم العربى، وجاء فيه أن البلاد العربية شهدت نمواً اقتصادياً، ولكن التنمية البشرية فيها، التى تعنى بقياس الحوكمة التى تقوم على المشاركة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون، متخلفة.
وبعد حلقات دراسية ضمت أحزاباً حاكمة ومعارضة، عقد لقاء جامع ضم ممثلين لأحزاب حاكمة ومعارضة من 19 دولة تحت إشراف نادى مدريد. أعلن المشاركون فى اللقاء فى عام 2008م فى منتجع البحر الميت (الأردن) أن ما بين الحكام والمعارضين استقطاب حاد حول الإصلاح السياسى ما يوجب إجراء حوار جاد بين الطرفين للاتفاق على مشروع يزيل الاستقطاب الحاد ويرسم خريطة طريق للمشاركة الديمقراطية منعاً لانفجار محتمل.
العالم العربى حقق استقراراً مريضاً فى ظل نظم مهما تنوعت شعاراتها اتفقت صفاتها على:
جماعة حاكمة مهيمنة على ولاية الأمر تبسط هيمنتها عبر أجهزة أمنية مطلقة اليد لتأمين النظام.
إعلام مسخر للتطبيل.
اقتصاد رأسمالية المحاسيب.
علاقات خارجية موظفة لدعم النظام الحاكم.
نظام وصفه الكيلانى بقوله:
آفة الشرق حاكمٌ معبودٌ
وشعوبٌ تروعهنَّ قيودُ
نظام الحوكمة العربى بهذا الشكل استمر عقوداً، وأفلح فى اختراق وإخافة معارضيه، ولكن شباباً حركته حوادث انتهاك فظيع لحقوق الإنسان، تحرك عبر وسائل التواصل الاجتماعى الحديثة فاخترق حواجز الأمن، وتجاوبت معه الملايين المقهورة، فاخترقوا حواجز الخوف، ووقفت القوات المسلحة فى تونس ثم فى مصر مواقف جردت النظام الحاكم من عصا التطويع، فهرب طاغية تونس وتخلى طاغية مصر.
الشباب الذين فجروا الثورة لم يكملوها بالاستيلاء على مقاليد الحكم وإقامة النظام الثورى البديل.
لذلك ملأت الفراغ قوى غير ثورية قوامها مؤسسات الدولة القائمة، ومرجعيتها الدستور المعتمد، وتحركت القوى السياسية المعهودة للمشاركة فى الوضع الجديد.
صارت أهم معالم الوضع السياسى:
إدارة للحكم على أسس دستورية كأن النظام مستمر ناقص رئيسه، وقوى سياسية تعبر عن تطلعات ثورية، هكذا نشأت ثنائية بين تقليدية إدارة الحكم وثورية التطلعات.
وبما أنه لا يوجد برنامج ثورى معين سارعت السلطة الحاكمة بإجراء انتخابات قبل أن يكتب دستور يعبر عن المرحلة الجديدة.
القوى السياسية لم تكن على درجة واحدة من الاستعداد التنظيمى، فالقوى الإسلامية كانت أكثر استعداداً لأنها مع تعرضها لبطش النظام المطاح به استطاعت أن تنشط عبر قنوات دينية وخدمات اجتماعية.
ولأسباب كثيرة اهتمت البلدان العربية الغنية بمآلات دول «الربيع العربى»، لا سيما مصر وأغدقت فى صرف الأموال السياسية، كذلك فعلت جهات دولية بإمكانيات أقل.
لأسباب كثيرة أهمها أن «الثورة» لم تضع برنامجاً موحداً متفقاً عليه انقسمت القوى السياسية انقساماً حاداً حول:
مدى التطلع للثورية أو الالتزام بخريطة طريق تقليدية.
الموقف من التعديلات الدستورية المحدودة ما أدى لاستفتاء شعبى انقسم حوله الرأى بصورة حادة.
انقسام حول مرشحى رئاسة الجمهورية واستقطاب حاد فى الجولة الثانية بعد فوز الرئيس محمد مرسى حدث استقطاب حاد حول الإعلان الدستورى الذى أصدره.
استقطاب حاد حول الدستور الجديد الذى أجازه الاستفتاء.
الجسم السياسى المصرى الآن يعانى من تراكم هذه الاستقطابات الحادة ويضاف إليها اختلافات حادة حول:
إسلامية أو مدنية الحكم
البرنامج الاقتصادى
الإعلام
العلاقات الخارجية
الأمن القومي
الاستقطاب الحاد الذى قسم الجسم السياسى المصرى لا يمكن مع اعتماد منظومة حقوق الإنسان ومكتسبات الحرية التى حققتها الثورة أن يحسم بالقوة، وبعض عوامل الاستقطاب لا يمكن حسمها بالآلية الانتخابية مثل:
مدى إسلامية ومدنية الدستور
حقوق المجموعات الدينية
متطلبات استقلال القضاء
مكانة القوات النظامية لا سيما القوات المسلحة
هذه القضايا لا يمكن حسمها بالمغالبة الانتخابية وتتطلب تراضياً يسبق التنافس الانتخابى.
المجموعة الحاكمة الآن بموجب التغلب الانتخابى إذا أهملت الحاجة للتراضى حول هذه القضايا فإنها تدفع القوى المعارضة إلى تصرفات تؤذى الأمن القومى وتحول دون الاستقرار وتستدعى عوامل تدخل خارجى.
أقصى ما يمكن أن تحققه المعارضة بالأساليب الشعبوية هذه هو الإطاحة بالحكم القائم، فإن حدث ذلك وأقدمت هى على حكم البلاد فإن القوى المزاحة من السلطة أقدر على زعزعة حكمهم.
ليس أمام القوى السياسية المصرية إذا التزمت بالمصلحة الوطنية العليا، وأرادت تجنب العنف فى إدارة الشأن العام، وأرادت قفل الطريق أمام التدخلات الأجنبية غير المأمونة العواقب إلا التراضى على أسس تحقق الكسب العام للوطن والمواطنين، هذا يمكن أن يتحقق إذا أعلنت السلطة الحاكمة أنها:
مستعدة لمراجعة بعض بنود الدستور الخلافية بصورة تكفل مدنية الدولة وحقوق المجموعات الدينية فى تطبيق أحكام دينها وتكفل حقوق الإنسان واستقلال القضاء والتزام القوات المسلحة بالانضباط المهنى.
أنها مستعدة للتفاهم حول موعد إجراء الانتخابات القادمة.
أنها مستعدة لتكوين حكومة انتقالية موسعة أو محايدة (تكنوقراطية) لإدارة البلاد إلى حين اعتماد الدستور الجديد.
وتعلن القوى المعارضة جميع أنها:
تعترف بشرعية الحكم القائم بلا تردد.
تكف عن أية محاولات لزعزعة الحكم عن طرق شعبوية.
تكف نهائياً عن أية تطلعات لإقحام القوات المسلحة فى العمل السياسى.
إن نجاح مصر فى التغلب على المتاعب الحالية، لا سيما تحقيق الجدوى الديمقراطية، والأمن القومى، والتنمية المنشودة، يهم المنطقة كلها، لأن الإخفاق يقود للفوضى، وبالتالى تعلق الآمال بنظم الطغيان، فتاريخياً تخلت أمتنا عن فرائض الإسلام السياسية وعلى رأسها العدالة والحرية واستسلمت لحكم المتغلب تجنباً للفتنة.
يا أهل مصر، أشقاءنا فى الإسلام والعروبة والأفريقية والجوار الواصل والإنسانية، أناشدكم بحرمة كل تلك الروابط أن تقبلوا على هذا الرأى التوفيقى بنفس الروح الأخوية التى أملته، فالمصير واحد رغم الفواصل القطرية، إقبالاً يضع حداً لهذا الاستقطاب الحاد الذى أفرز إعلاماً يدق طبول الفتنة اللعينة.
مصر ومصيرنا
بعد عامين من الربيع العربى صار بعض الناس يقولون لم نرَ منه أزهاره بل أشواكه.
ولما يحدث فى مصر مكانة خاصة فى مصير التغيير الديمقراطى المنشود فى كل المنطقة.
وأنتم تعلمون أن السودان قد شهد تجربة عاشت ربع قرن إلا قليلاً، رفع فيها انقلابيون شعار التطبيق الإسلامى بمرجعية إخوانية، وهو شعار له وزن خاص فى الشارع السياسى فى كل المنطقة.
رفعوا الشعار دون مراعاة لظروف السودان الخاصة، ما أدى إلى إعطاء حملة القضاء على الحرب الأهلية فى البلاد طابعاً جهادياً. هذا الموقف هو الذى جعل القوى السياسية الجنوبية جميع تُجْمع لأول مرة فى تاريخها على المطالبة بتقرير المصير للجنوب (أكتوبر 1993م).
ظن النظام أن الحماسة الجهادية سوف تهزم خصمها، ولكن الذى حدث هو أن هذا الموقف أعطى جميع الفصائل السياسية الجنوبية هدفاً مشتركاً تتحلق حوله، وأعطاهم دعماً خارجياً قوياً مسيحياً وصهيونياً وإقليمياً ودولياً.
فى وجه هذا الموقف تراجع النظام السودانى وأبرم اتفاقية سلام فى يناير 2005م. اتفاقية كما أوضحنا فى كتاب نشرناه يومئذٍ جعلت الانفصال خياراً جاذباً، وقد كان.
وأدت سياسات النظام إلى حريق دارفور، وتتالت أسباب التمزق، حتى صار السودان يواجه الآن ست جبهات احتراب أهلى، ونتيجة لتجاوزات معينة صدر ضد النظام السودانى قرار (47) من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، كما حشد إلى السودان ما يزيد على 30 ألف جنديٍ أممى.
وحتى الشعار الإسلامى الذى طبق بصورة فوقية خالية من الاجتهاد المسنون، ومن الاحاطة بالواقع، والتزاوج بينها، أدى لانطلاق تيارين متناقضين، كلاهما يعتبر التجربة فاشلة، يدعو أحدهما لطرد الدين من الشأن السياسى نهائياً، ويدعو الآخر لتطبيق انكفائى تكفيرى للدين.
الفصائل السودانية ذات التوجه العلمانى كونت الجبهة الثورية وهى التى تنشط الآن فى جبهات الاقتتال فى السودان وتحتل بعض المدن.
إن استمرار النظام السودانى بسياساته الحالية لم يعد ممكناً، بل سوف يزيد من تفكيك البلاد وحجم التدخل الخارجى فى شئونها.
وتحرك الجبهة الثورية الراهن إذا فشل فإنه سوف يزيد من حمامات الدم فى السودان، كذلك إذا نجح فإنه سوف يفتح باب استقطاب دموى اثنى، وإسلامى ــ علمانى، يدمر السودان.
نحن أغلبية الشعب السودانى نتطلع لحل يعتمد على القوة الناعمة لتحقيق مطالب الشعب السودانى العادلة فى السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطى الكامل ما يشمل مطالب الجبهة المسلحة ضمن وحدة السودان وبوسائل اللاعنف.
هذا البرنامج يتطلب تكتلاً وطنياً سودانياً نحن عاملون على تحقيقه، ويتطلب دعماً معنوياً عربياً وأفريقياً ودولياً.
وحبذا لو أن تطورات المشهد السياسى فى مصر مثلت دعماً معنوياً لتجنب الاستقطاب.
هذا السيناريو للتحول الديمقراطى قد سبقت تجربته فى جنوب أفريقيا وفى رواندا.
القضاء على الاستقطاب فى مصر، وإثبات جدوى الوسائل الديمقراطية فيها سيكون له أفضل الأثر على جميع بلدان المنطقة كما قال الأريانى اليمنى:
ما نال مصر نعمة أو نقمة
إلا وجدت لنا بذاك نصيباً