رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الأمن القومي المصري

مقالات الرأى

الثلاثاء, 30 أبريل 2013 22:24
بقلم: دكتور إكرام بدرالدين

يقصد بالأمن القومي لأي دولة الحفاظ على مصالحها العليا في الداخل والخارج وعلى مختلف المستويات السياسية والاستراتيجية والأمنية والاقتصادية والعسكرية، والمواجهة الناجحة لأي تهديد لهذه المصالح، ولذلك فإن النظرة الحديثة إلى الأمن القومي أصبحت أكثر شمولا واتساعا من النظرة التقليدية التي كانت تقتصر على الجوانب الأمنية والعسكرية، كما تتعدد المستويات الداخلية والإقليمية والدولية في تناول الأمن القومي لأي دولة.

ونتيجة لذلك يمكن القول بوجود عدة عوامل ومستويات يتأثر بها الأمن القومي المصري سواء كانت هذه العوامل داخلية أو اقليمية أو دولية، فعلى المستوى الداخلي لعل من أهم العوامل المؤثرة على الأمن القومي المصري موضوع الاستقرار السياسي بمعنى الاعتماد على الأدوات والأساليب السياسية لحل ما يحدث من خلافات سياسية وأن يكون هذا الحل داخل المؤسسات السياسية لأن امتداد هذه الصراعات إلى الشارع يمثل تهديدا خطيرا للاستقرار السياسي ويمثل بدوره تهديد للأمن القومي، كما يتطلب الأمر أيضا الحفاظ على كفاءة وقدرات مؤسسات الدولة وسلطاتها وتجنب حدوث أي توترات أو مجابهات بين هذه المؤسسات، كالتوتر على سبيل المثال بين المؤسسة القضائية والسلطة التنفيذية، أو بين الرئاسة والمحكمة الدستورية العليا، أو بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية.
كما يتأثر الأمن القومي للوطن أيضا بمدى القدرة على تحقيق الأمن في الشارع المصري واحترام القانون وهيبته ومواجهة كافة محاولات الخروج عليه أو الاعتداء على المحاكم وأقسام الشرطة أو رموز الدولة أو محاصرتها وأن يطبق القانون على الجميع، وإيجاد حل سريع للأسلحة التي تسربت إلى داخل البلاد في العامين الماضيين لما تمثله من خطورة وتهديد للأمن القومي المصري، كما يتطلب الأمر أيضا اتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون تفاقم الخلافات والصراعات الطائفية لأي سبب من الأسباب والعمل على

الاحتواء السريع لهذه الخلافات في حالة ظهورها والتركيز في لغة الخطاب الديني على قيم التسامح والاعتدال والوسطية وكذلك الحال بالنسبة لأدوات ووسائل الإعلام المختلفة.
كذلك يمكن للمشاكل والمتاعب الاقتصادية وما يترتب عليها من ارتفاع نسبة التضخم والبطالة وانخفاض في الصادرات وزيادة في الواردات وتفاوت شاسع على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بين المواطنين أن تمثل تهديدا للأمن القومي نظرا لما يمكن أن يترتب على ذلك من اضطرابات سياسية، فضلا عن التأثير السلبي على استقلالية القرار وعلى حرية الحركة في المجال الخارجي والإقليمي.
ويتطلب الأمر بالنسبة للبعد الإقليمي في الأمن القومي المصري الانفتاح على مختلف القوى الإقليمية المؤثرة في المنطقة ووضع خطة للتعاون المثمر وبما يحقق المصلحة المصرية، وربما يتطلب الأمر ألا يكون التعاون مع قوة اقليمية معينة على حساب القوى الإقليمية الأخرى، وبعبارة أخرى فقد لا يكون من المصلحة توثيق العلاقة مع دولة اقليمية معينة وتوترها مع دولة أخرى، ولعل الدول الإقليمية المؤثرة في هذا الإطار هي تركيا وإيران واسرائيل وإثيوبيا، ورغم اختلاف درجات التأثير وبؤر الاهتمام بالنسبة لهذه الدول إلا أن مصلحة الأمن القومي المصري لا تتطلب المجابهة أو العداء مع أي من هذه القوى، وربما يكون من المرغوب فيه مزيد من الانفتاح والتعاون البناء مع أثيوبيا بصفة خاصة لما تمثله من أهمية كبيرة بالنسبة لموضوع مياه النيل، وقد يكون من المفيد في هذا المجال التوجه نحو المشروعات المشتركة والتي تحقق مصلحة الدولتين، حيث إن مياه
النيل تأتي في المرتبة الأولى من أولويات الأمن القومي المصري ويرتبط بالأمن القومي المصري على المستوى الإقليمي أيضا موضوع ضبط الحدود وخصوصا في الشمال الشرقي وهو ما قد يتطلب إعادة النظر في الملحق الأمني من معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وخصوصا ما يتعلق (بالمنطقة ج) فهناك احتياج إلى زيادة القوات المصرية في هذه المنطقة وزيادة تسليحها للحفاظ على أمن الحدود وهو ما يحقق مصلحة للطرفين، وربما يرتبط بذلك أيضا تحقيق مصلحة أبناء سيناء كجزء عزيز من الوطن كما يساعد على حل مشاكل التكدس السكاني في الوادي وكذلك مشاكل التخلخل السكاني في سيناء، و بحيث تكون سيناء وبحق خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري.
وبالنسبة للبعد الدولي في الأمن القومي المصري فإن الأمر يتطلب المزيد من التنوع والتعدد في علاقات مصر الدولية، والمزيد من الاستقلالية في سياسة مصر الخارجية وأن تتسم هذه السياسة بالتوازن، فلعدة عقود كانت السياسة المصرية في الخارج تركز تركيزا خاصا على الولايات المتحدة وأوروبا، أي على الشمال والغرب فقط، ويتطلب الأمر الآن وفي إطار السياسة الخارجية المتوازنة التوجه نحو الجنوب أي نحو القارة الأفريقية والتي يتواجد فيها منابع نهر النيل شريان الحياة بالنسبة لمصر، كذلك التوجه نحو الشرق أي نحو الصين والهند وروسيا ودول النمور الأسيوية، والاستفادة من العلاقات الخارجية المصرية لدفع عملية التنمية الاقتصادية في مصر وتخليص الاقتصاد من متاعبه سواء من خلال جذب استثمارات أو مشروعات مشتركة أو جذب السياحة من هذه الدول أو التعاون العلمي والتكنولوجي في مجالات توليد الطاقة من مصادر غير تقليدية، مع ملاحظة أن هذه التوجهات الجديدة في السياسة الخارجية لن تكون على حساب العلاقات مع الولايات المتحدة أو أوروبا بل إضافة إليها وهذا هو جوهر التوازن في السياسة الخارجية.
ويمكن القول أن مصر تحتاج إلى رسم استراتيجية بعيدة المدى تحقق المصالح العليا للوطن وتحافظ على أمنه القومي رغم امكانية تغير الحزب الحاكم من فترة زمنية إلى أخرى، أو تغيير شخص رئيس الدولة من انتخابات إلى أخرى، أو تغيير الحكومة ولكن تظل هذه الاستراتيجية المعبرة عن المصلحة القومية لمصر تتسم بالاستمرارية والدوام.

أستاذ العلوم السياسية