رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إنهم لا يريدون الإصلاح

مقالات الرأى

السبت, 27 أبريل 2013 22:20
بقلم: دكتور شوقي السيد


تشريعات الشوري تستهدف مصالح حزبية ضيقة تمتد إلي سلطة القضاء
لو تصالح النظام من البداية مع الشعب وتخلي عن شهوة الانتقام والإقصاء لتغيرت الدنيا

 

< نشرت «المصري اليوم» في عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضي حواراً هاماً وصريحاً للمستشار فؤاد جاد الله مستشار رئيس الجمهورية، وأهمية الحوار أنه فضلاً عن كونه مستشاراً.. وأول المقربين إليه، فإنه قول أحد رجال القضاء بين نواب رئيس مجلس الدولة، يقولون عنه إنه شاب نابه، وقد قال فيما قال «إن مرسي يستشير مكتب الارشاد في قراراته، وان الجماعة غير جاهزة لإدارة البلد، وإن الرئيس لا ينفذ مقترحات مستشاريه، وان القضاء والجيش أطهر مؤسسات الدولة وأنه رفض مليونية الجمعة الماضية المسماة بجبهة تطهير القضاة». وللحق فالرجل قال كلاماً صادقاً وحكيماً، ولكنه سرعان ما نشرت «المصري اليوم» صباح اليوم التالي الأربعاء عن نبأ الاستقالة، ونشرت كلماتها وأن سبعة أسباب وراءها، وقد دارت التكهنات والتحليلات عما إذا كانت إقالة أم استقالة.. وعن غضب الرئيس من النشر.. وعن الأسباب الخفية وراءها.
< لكن الزمن قد دار بنا ليجلس الرجل علي مقعد الدكتور عبدالرزاق السنهوري رئيس مجلس الدولة الأسبق لفترة، عندما تولي مسئوليته كمستشار قانوني لرئيس الجمهورية، ومجلس قيادة الثورة منذ يوليو 1952، ولهذا كان عليه أن يدرس سيرة ومنهج عمل مستشار الرئيس الأسبق، وأن يحاول أن يسير علي سيرته، في منهج الفتوي والتشريع.. والإصلاح القضائي، ولا يعبأ بالنتائج حتي ولو غدروا به بعد ذلك، إذ تظل سيرة السنهوري عبر التاريخ باقية رغم ما تعرض له من اعتداء صارخ مازال يسجله التاريخ، فما من رأي قانوني أو افتاءات في عهد السنهوري منذ يوليو عام 1952، إلا وكان يعرضها علي قسم الرأي مجتمعاً بمجلس الدولة، ولا ينفرد برأيه أو يستأثر بقراره، منذ الافتاء بشأن هيئة وصاية مؤقتة علي العرش، لتتولي سلطة الملك ويحلف اليمين أمام مجلس الوزراء إلي أن تتولاها هيئة الوصاية الدائمة، وظل الحال كذلك دوماً في المسائل الهامة الكبري، لا يُصدر رأي أو فتوي إلا من خلال مجلس الدولة، وهي الجهة القضائية التي كان يترأسها وقتئذ.
< أما عن التشريع فإنه منذ الاعلانات الدستورية.. وأول مرسوم صدر بقانون 178/52 بالإصلاح الزراعي والمرسوم بقانون 241/52 بشأن العفو عن الجرائم التي وقعت منذ عام 1936 وحتي الثورة وقانون تنظيم الأحزاب رقم 179/52، وقانون الغدر، وما بعدها، فإن كافة التشريعات مهما كان نوعها، سواء كانت مراسيم بقوانين أو تشريعات أو قرارات جمهورية، كانت لا تصدر إلا بعد

مراجعة قسم التشريع بمجلس الدولة، ويشار إليها في بنود الديباجة، بناء علي ما ارتآه مجلس الدولة، وظل الحال كذلك في عهده، مُطمئناً إلي سلامة الفتوي.. ومشروعية القوانين واحترام المبادئ والقواعد الدستورية في البلاد..
< أما عن دور مستشار الرئيس الأسبق في الإصلاح القضائي، فكان السنهوري فقيه الفقهاء، يدعو دوماً إلي تحقق إصلاح قضائي عظيم، مُحذراً الحكومة إذا ما تراخت عن تحقيق الإصلاح المالي والإداري والامتناع عن تنفيذ الأحكام.. ولهذا كان اقتراحه منذ عام 1951 بمناسبة عرض تقرير عن أعمال مجلس الدولة في سنته الرابعة، بإضافة عقوبة الحبس والعزل لكل موظف في الحكومة مهما علا شأنه إذا امتنع عن تنفيذ حكم أو أمر قضائي، كما ندد المستشار الكبير بانحراف السلطة التشريعية في استعمال سلطتها في التشريع متي استهدفت غاية خبيثة، أو مصلحة حزبية أو شخصية، أو كانت في غير مصلحة الناس، في بحث بلغ مائة صفحة كاملة من أبحاثه مازالت حية حتي الآن.. دفاعاً عن مبدأ سيادة القانون.
< وتغير زمن الخمسينات والستينات.. وعادت الدنيا بنا تدريجياً إلي الوراء.. حتي سيطرت السلطة التنفيذية علي مقاليد البلاد.. وأحكمت قبضتها علي باقي السلطات.. فأصدرت التشريعات.. والقرارات.. وأهدرت القواعد الدستورية.. واغتصبت السلطة وأحدثت الفتن وأشعلت الحرائق في كل مكان ولم تحقق ثورة يناير تغييراً.. بل ازدادت قبضة من قفزوا عليها سوءاً وعدواناً.. فلا هم استفادوا بعلم القانون.. ولا بالعلوم السياسية.. ولا بالعلوم الانسانية ولا بخبرة الحكماء.. فكان ما كان، حتي بلغت أقصي صورها في التعدي علي السلطة القضائية وعزل بعض اعضائها عنوة وغصباً.. ومحاصرتهم علي منصة دور العدالة.. ومنح جلساتها بالبلطجة والقوة، وإهانة أعضائها، والانتقام والتشفي.. وتألم الرأي العام مما سمعه من أفظع الاتهامات جهاراً نهاراً بغير استحياء.. وامتد التهديد والترويع إلي اعضائها، حتي كان مؤتمر رجال القضاء في ناديهم في مؤتمرهم الصحفي العالمي، ضد الظلم والطغيان.. ونسمع بمناسبة ذلك كلاماً ما أنزل الله به من سلطان.. في اجتماع الرئيس مع اعضاء مجلس القضاء الأعلي للمرة الخامسة، وفي كل مرة نسمع عن الاحترام والامتهان في نفس الوقت ونضرب كفاً بكف، لنبحث عن مهابة العدالة.. ووقارها.. والحصانة والاستقلال
لرجالها.. ولم نسمع كلمة واحدة عن الاصلاح القضائي الحقيقي.. والعدالة الناجزة وتيسير سبيل التقاضي.. بعد ان بلغ أمد التقاضي سنوات طوالاً حتي إن قضية واحدة يمكن أن تقصف العمر.. وانحصر الاصلاح في مشروعهم في تخفيض سن الإحالة للمعاش انتقاماً وإصراراً وترصداً وعن سوء قصد وهو ما أطلقوا عليه تطهير القضاة.. يا سبحان الله!!
< والذي يتتبع المشهد السياسي منذ غزوة الصناديق.. والاستقواء.. والسيطرة.. والتحكم.. والإرهاب.. والاقصاء.. والانتقام.. وإلهاء الناس.. فلقد ظلت القضايا المتراكمة تزداد تراكماً.. وفساداً.. حتى شهد بها الجميع.. البسطاء.. والعامة من الناس.. ومعظم النخبة الذين اعتقدوا حسن الظن وآمنوا فى  سلامة علم النفس أن نتائج الاحساس بالظلم تنتج  عدلاً.. ووسط كل ذلك خالفت السلطة والحكومة منهج الفتوى والتشريع الذى كان سائداً منذ الخمسينيات والستينيات، وخالفت المبادئ الدستورية فى استقلال السلطات وقعت كلها فى قبضة واحدة، كما خالفت السلطة التشريعية منهج حسن القصد ودأبت على الانحراف التشريعى.. فقانون العزل السياسى.. وقانون الانتخابات.. والحقوق السياسية.. واختيار الجمعية التأسيسية ونصوص الدستور.. كلها استهدفت مصالح حزبية شخصية لحقها سوء القصد والسمعة حتى امتدت الى سلطة القضاء!!
< وشهدت الساحة كل هذه الموبقات فماذا لو، حتى لو كانت تفتح عمل الشيطان، ماذا لو ان النظام القائم كان قد تصالح مع الشعب منذ البداية ولم يخاصمه، ماذا لو تخلى عن الانتقام والتشفى والاقصاء، وتصفية الحسابات أو كان قد حصرها فى أقل القليل فى قمة الرموز، ماذا لو تجنب الاستحواذ والسيطرة والتحكم، ماذا لو تحلى بالسماحة بالحوار والمنطق وحق الاختلاف.. ماذا لو رسخ لحرية الرأى والتغيير وحق التظاهر، ماذا لو آمن بدولة سيادة القانون، والمؤسسات الدستورية، واستقلال السلطات فى الدول وعدم تغول احداها على الأخرى.. وماذا لو بقى الرئيس نفسه بعيداً عن الجماعة والعشيرة.. وظل حكماً بين السلطات.. وأصر على أن يخرج عن العباءة وأن يصبح رئيساً لكل المصريين؟! ماذا لو اتعظوا من الدروس السابقة على مدى أكثر من ستين عاماً ودرسوا أسباب حل الجماعة فى كل مرة منذ مذكرة عبدالرحمن عمار وكيل الداخلية عام 1948 وما بعدها وفى كل العهود؟! لو كان الأمر كذلك لكانت الدنيا قد تغيرت،وكفانا اختلاق الأسباب.. والمكابرة والعناد.. وعدم الاعتراف بالأخطاء،. والبحث عن الأعذار وإلقاء التهم.. بالتآمر والثورة المضادة.. لأن ذلك كله، صار أمراً هزلياً مستهلكاً والناس البسطاء أذكياء.. ومعظم الخلق كشفت الحقائق والأسرار.. لأن عكس ذلك هو الذى حدث، لأنهم يا عزيزى لا يريدون اصلاحاً.. فلم يوفقهم الله!!
< وبعد أن قرأنا عن الاستقالة، وأسبابها أيها السادة، وأياً كانت حقيقتها.. استقالة أم إقالة، ومهما كانت الأسباب المعلنة أو الخفية، وأن الاعتذار عن الاستمرار فى العمل بمؤسسة الرئاسة حسبما ورد بنص الاستقالة، وصحتها ان الاعتذار عن عدم العمل وليس «عن العمل» بمؤسسة الرئاسة،وبيان الرئاسة حولها أنها مازالت تدرس أسباب الاستقالة المعلنة،وأياً كانت الاستقالة حقيقة أو مناورة سياسية مع الأخوين مكى وغيرهما.. أو كانت قفزاً من النوافذ قبل فوات الأوان.. فإنها كشفت الحقائق والأسرار.. ولسوف يسجل التاريخ الذى لايرحم مسئولية كل من شارك فى الخطايا والآثام، حتى ولو كانت الاستقالة بعد الأوان!! لأنهم ياعزيزى لا يريدون إصلاحاً!!

[email protected]