رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إطفاء النار بالبنزين

مقالات الرأى

الثلاثاء, 19 مارس 2013 22:32
بقلم:د. إكرام بدر الدين

يمكن أن يكون لقرار منح الضبطية القضائية للأفراد تداعيات خطيرة من الناحية السياسية والأمنية والاجتماعية يجب التنبه لها قبل حدوث الآثار السلبية المترتبة عليه في فترة تعاني فيها البلاد من عدم الاستقرار والصراعات السياسية والتي يحتاج الأمر إلى تهدئتها ونزع فتيلها بدلا من تأجيج نيرانها.

ويعتبر الأصل في الضبطية القضائية أنها تمنح بموجب القانون لبعض الموظفين العموميين وهي وفقا لقانون الإجراءات الجنائية تكون بمقتضى إذن من النيابة العامة، وفي حالات حصرية نص عليها القانون، ونستخلص من ذلك أن الضبطية القضائية تهدف إلى تكريس سلطة الدولة ومؤسساتها وتطبيق القانون وإعماله وخصوصا في حالة التلبس، أي أن الضبطية القضائية في فلسفتها ترتبط بالدولة ومؤسساتها وإذا تم التوسع في منح الضبطية القضائية للمواطنين أو العامة وهو ما يمكن أن نطلق عليه الضبطية الشعبية فإن خطورة ذلك إنه يؤدي إلى تحلل مؤسسات الدولة وخصوصا تلك المؤسسات المسئولة عن الضبط الأمني والقانوني والاجتماعي، كما إن الضبطية الشعبية قد تأخذ أشكالا حزبية أو دينية أو طائفية وتهدد الاستقرار وتقوض الأمن وخصوصا أن هذه الضبطية القضائية الشعبية قد تلجأ إلى تنفيذها جماعات مسلحة وهو ما يعني تقنين أوضاع الميليشيات المسلحة ويتحول الشارع من حكم الدولة وحكم القانون والخضوع لسيادة الدولة إلى حكم الميليشيات المسلحة.
وبعبارة أخرى فإن الضبطية القضائية للأفراد أو لعامة المواطنين والتي قيل في تبريرها إن الهدف منها مساعدة الأمن ومواجهة البلطجية ستؤدي إلى عكس ذلك حيث يترتب عليها مزيد من الإضعاف أو الانهيار التام للأمن وارتفاع درجة العنف في الشارع المصري وتهديد الاستقرار السياسي وبحيث يصبح الجو مهيئا للفوضى الشاملة وما

تعنيه من تحلل وانهيار لمؤسسات الدولة وارتفاع مؤشرات العنف وعدم الاستقرار وذلك نظرا لدخول عنصر جديد في معادلة الصراع حيث لن يقتصر الصراع على بعده المعروف والموجود الآن وهو صراع الشعب والأمن بل سيظهر الشكل الأخطر من الصراع وهو الصراع بين الشعب والشعب وهو ما يعبر عن أخطر أنواع الصراعات على الإطلاق وخصوصا إذا اعتبر كل طرف إنه على حق وإن الطرف الآخر على باطل مما يؤدي إلى تأجيج سلسلة لا تنتهي من الصراعات.
ويتطلب الأمر على وجه السرعة دراسة هذه السلبيات المترتبة على مثل هذا القرار واتخاذ السياسات المناسبة للحفاظ على أمن الوطن واستقراره، ويتطلب الأمر أيضا تقليل حدة الاختلاف والوصول إلى التوافق حول مواد الدستور الخلافية وخصوصا المادة العاشرة والمتصلة بهذا الموضوع والتي تنص على ما يلي «تحرص الدولة والمجتمع على الالتزام بالطابع الأصيل للأسرة المصرية وتماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها الأخلاقية وحمايتها على النحو الذي ينظمه القانون».
وخطورة هذه المادة أنها تعطي المجتمع ما يعتبر اختصاصا أصيلا للدولة، والمجتمع كما هو معروف مختلف في تركيبه وتكوينه واتجاهاته ،كما إن هذه المادة قد تم الاستناد لها قانونيا لإعطاء الضبطية القضائية لعامة المواطنين واباحة ظهور الميليشيات المسلحة في الشارع المصري والتي ظهرت بوادرها في أسيوط، ويمكن أن تظهر أنماط أخرى متعددة داخل الدولة أو داخل المحافظة الواحدة أو المدينة الواحدة أو القرية الواحدة مما
يؤدي إلى تداعيات وعواقب قد لا يمكن التحكم فيها.
ولتوضيح خطورة مثل هذا الوضع على الدولة ربما يكون من المفيد أن نتذكر معا النظريات المفسرة  لنشأة الدولة والسلطة ومبرر خضوع الأفراد لسلطة الدولة، فوفقا لأهم نظريات الدولة والسلطة فإن الأفراد يتنازلون عن جزء من حرياتهم وحقوقهم للدولة والتي تتولى حمايتهم والحفاظ على أغلب حقوقهم وحرياتهم، ويستخلص من ذلك أن حماية الأفراد وتحقيق أمنهم هو وظيفة أساسية للدولة وتبرير لوجودها ودورها، وعدم قيام الدولة بهذا الدور وهذه الوظيفة أو تنازلها عنها يؤدي إلى الحالة التي أطلق عليها الفيلسوف السياسي الإنجليزي الشهير «توماس هوبز» حرب الجميع ضد الجميع أو ما يمكن أن نطلق عليه تسمية أخرى وهي حالة الفوضى الشاملة.
وتخبرنا الخبرة التاريخية أن مصر كانت أقدم دولة مركزية عرفتها البشرية وعرفت دائما بمؤسساتها القوية والراسخة التي فرضتها ظروف مجتمع النهر والحاجة إلى زيادة منافع النهر ومواجهة أخطاره ،كما يخبرنا التاريخ أيضا أن مراحل ضعف الدولة ومؤسساتها كانت تنعكس سلبا على الاستقرار السياسي وعلى المستوى الاقتصادي ودور مصر في منطقتها، ولذلك يكون من المرغوب فيه أن يتعاون ويتكاتف الجميع للحيلولة دون إضعاف الدولة وانهيار مؤسساتها في هذا التوقيت الحرج من مراحل التطور السياسي للوطن والذي نتخوف فيه من اختلاط الاحتقان السياسي والصراع على السلطة مع المجابهات بين الشعب والأمن والمجابهات التي نتخوف منها بين الشعب والشعب، فضلا عن التخوف من اندلاع أشكال جديدة من المجابهات نتيجة لتراجع أو تردي الأوضاع الاقتصادية وقد يشارك فيها سكان العشوائيات مما يمثل خطورة إضافية .
وأخيرا إذا كان المجتمع السياسي المنظم الذي عرفه البشر قد شهد تحولات من الكيانات الأكبر (الإمبراطوريات) أو الكيانات الأصغر (القبائل والجماعات) إلى الدولة القومية وفكرة الوطن، فإنه ليس من مصلحة أي طرف سياسي في مصر أن يحدث تحول سلبي إلى الفوضى أو تحول من فكرة الوطن إلى الجماعات و الأقاليم المتنافسة والمتصارعة والمحتربة ولنتعاون جميعا على إطفاء الحرائق دون أن تكون وسيلة الإطفاء هي سكب البنزين على النار.

أستاذ العلوم السياسية