رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مأزق فتاوى الدم

مقالات الرأى

السبت, 02 مارس 2013 23:31
بقلم -أحمد عبد الحفيظ

مع خطورة فتوى قتل قيادات جبهة الإنقاذ، فليس تهديد حياتهم هو أخطر مافى الموضوع. كما ليس الأخطر هو ماتسهم به هذه الفتاوى الجاهلية من زيادة حدة الأزمة السياسية المشتعلة فى البلاد. أخطر مافى الموضوع مما لايدركه «شيوخ الدم» هو ما تلحقه هذه الترهات من ضرر بالغ بالتاريخ السياسى الإسلامى،

وبأحوال المسلمين منذ نهاية عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان «رضى الله عنه» وحتى ثورات الربيع العربى الأخيرة. فلم تكن هذه الثورات إلا استمراراً لتاريخ طويل من الخروج المتتالي على الخلفاء الذين حملوا لقب «أمير المؤمنين»، ومن تلاهم من الحكام.
وهو خروج ساهم فيه كبار الصحابة والتابعين وفى مقدمتهم أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها.
وهو ما يعنى طبقاً للحديث الشريف الذى اعتمدته أحدث فتاوى سفك الدماء، أن كثيرين من سلف الأمة الصالح كان مستحقاً للقتل لخروجه على الحكام على الأخص الخارجين على الراشد الثالث،الذى لايشك فى انهم جميعاً سبق أن بايعوه!!. فكيف وصلنا إلى هذه النتيجة المروعة التى لايمكن قبولها من مؤمن استقر فى قلبه ولو مثقال ذرة من صحيح الإيمان!!.
الواقع أن الاستنتاج السابق غير صحيح، وأن المأزق الحقيقى هو مأزق كثير من علماء المسلمين منذ عصر الفتنة الكبرى وحتى اليوم، والذى تمثل فى الاعتماد المطلق على نصوص الأحاديث المنسوبة إلى الرسول- ص- مادام سندها صحيحاً ومتصلاً فى كتب الصحاح، ودون محاولة لدراسة واقع المسلمين فى الحياة العملية بما فيه سلوكيات العديد من الصحابة الأجلاء، والتابعين لهم بإحسان،وفيهم من فيهم من كبار العلماء

والفقهاء والمحدثين.
وهو السلوك الأولى بالنظر فى تحقيق مدى صحة هذه الأحاديث. إذ لا يعقل أن يجتمع هذا اللفيف من سلف الأمة من مختلف الأجيال على مخالفة مقتضى حديث صحيح. وإذ قطعت حوادث التاريخ الإٍسلامى المتتابعة منذ نهاية عصر عثمان بن عفان على كثرة الخروج على الحكام بالمخالفة لحكم هذا الحديث المذكور، فإن المعقول الذى لا بديل عن اعتماده لا ينفك عن أحوال توجب جميعاً إهماله وعدم التعويل عليه. فإما أن يكون الحديث منكوراً لم يعرفه الصحابة ومن بعدهم سلف الأمة العاملون بخلافه، أو أنهم عرفوه بمخصص لعمومه لم يتحدثوا به لاتفاقهم على العلم به. أو أنه منسوخ بآيات قرآنية، وأحاديث نبوية تالية له، حضت على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فى جميع الأحوال –ما لم يجلب مضرة أكبر منفعته-، وقول الحق عند السلطان الجائر دون أن يخشى الفاعل فى الله لومة لائم وجعلت مقتل الفاعل بسبب ذلك من أعلى منازل الشهادة فى سبيل الله.
ويؤيد ما تقدم أنه فى كثير من الأحوال فإن المواجهات بين الحكام ومؤيديهم وبين خصومهم قد تضمنت مساجلات فكرية استعمل المتنازعون فيها آيات قرآنية وأحاديث نبوية ،دون أن يحاجج أنصار الحكام الخارجين عليهم بهذا الحديث.
بل إن المأزق الذى يعانيه الفقه الإسلامى جراء الاعتماد المطلق على
مجرد صحة اتصال السند فى الأحاديث النبوية لا يقتصر خطره على التاريخ الإسلامى وحده،بل إنه لينال من العقيدة الإسلامية نفسها، تلك العقيدة التى لا تعرف عصمة لبشر،ويتصل بمفهومها المطلق للتوحيد أنها توقن بغير شك أن «كل ابن آدم خطاء» فلا تعرف عصمة لعمل بشرى مهما بلغت دقته، ومهما بلغ قبول الأمة به، وإجلالها لأصحابه على نحو ما كان من تقدير الأمة وقبولها لجهد الإمام البخارى وصحبه من محققى الأحاديث النبوية.فيبقى أنهم جميعاً بشر يصيبون ويخطئون، ويجرى عليهم ما يجرى على كل بشر من تقديرات للمصلحة العامة فيما يقال أو لا يقال، وهو تقدير يتم فى ضوء الظروف السائدة فى عصرهم،وفى نطاق رغبتهم الضرورية فى إنجاز مشروعاتهم الفكرية بعيداً عن تهديدات قد تعصف بها جميعاً فى حال أغضبت من لا تؤمن عاقبة غضبه. فضلاً عن أن الظروف ربما قد أوجدت الكثير من أصحاب المصالح فى تمرير أحاديث معينة،وأنه بعد انتشار علوم الجرح والتعديل،والكشف عن الكثير من الاسانيد الصحيحة والواهية، فلا يبعد عن قدرة أصحاب المصالح العاتية أن يتدخلوا لتزوير أسانيد بعض الأحاديث لتأكيد صحتها واتصال سندها على عكس الحقيقة ،ثم دسها فى كتب الصحاح استغلالاً لثقة الأمة فى هذه الكتب وعرفانها بحق مصنفيها.
لقد واجه الكثيرون مثل هذه الفتاوى مظهرين مدى جهلها بعلوم الاجتماع الإنسانى وتطوراتها، ومؤكدين على قاعدة «اختلاف الأحكام باختلاف الأحوال».. إلخ ولكن الخطر يظل ماحقاً يستدعى ان تقوم على درئه أمة من المؤمنين حقاً، تتمسك بمقتضى حديث الرسول صلي الله عليه وسلم «من يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين»، وتعلم أن الفقه فى الدين لا يتأتى بمجردحفظ المنقولات فى وعاء الذاكرة وترديد ما يتوهمه «الحافظون» مناسباً لمقتضى الحال من هذه المحفوظات.إنما الفقه وعاء الفهم والإدراك والعلم الذى من لم يدركه كان مثله الحق كمثل «الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها». والله من وراء القصد.
[email protected]