رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الفن والسياسة.. وبينهما شعب

مقالات الرأى

الأربعاء, 31 أكتوبر 2012 22:00
بقلم: لواء/ أحمد عبدالفتاح هميمي

< هناك مفهوم عام خاطئ، يختزل تعبير الفن فيمن يمتهنون الغناء والرسم وما شابه ذلك فقط، وهو اختزال مجحف بحق الكلمة ومعناها، فهى اسم صفة وليست اسمًا لمهنة، وهى تعنى درجة عالية من الإتقان والتميز فى أى عمل يزاوله الإنسان، فالطبيب إذا ما أتقن عمله وأبدع فيه وتميز أداؤه عن المعتاد، عُد فناناً فى عمله، وكذلك المهندس والصانع والموظف والعامل وكل أصحاب المهن، فليس الفن مقصورًا على مهنة دون سواها، ومع ذلك فإن حديثى فى هذا المقال، ينصب على الفن بمفهومه الخاطئ الدارج الذى يعرفه عامة الناس.

< نعود إلى بيت القصيد، حيث يرى علماء الاجتماع، أن الفن والسياسة من أهم عناصر بناء الحضارة الإنسانية، فالفن يمثل إحدى الأدوات الرئيسية المؤثرة فى وجدان الشعب، وترسيخ القيم والمعتقدات فى داخله، وتشكيل وتنمية صفاته المعنوية، وضبط وتوجيه تفاعلاته السلوكية. وأما السياسة فهى تبدأ بالقدرة على التأثير فى عقل الشعب بأيديولوجية قد يؤمن بها أو استقطابه لرأى قد يتوافق عليه، ثم إجادة أهل السياسة فى صنع أو توجيه حركة الأحداث فى هذا الاتجاه أو ذاك، تحقيقاً لمصلحة الوطن العليا من وجهة نظرهم، وبنتائج يترتب عليها حتماً رسم خطوط المستقبل وتحديد ملامح الحضارة.
< من هنا تكمن أهمية هذين الجانبين فى حياة الأمم، ومن هنا تبرز مسئولية كل المهتمين بالشأن العام فى مصر - كل بحسب مساحة رؤيته - لإلقاء

الضوء على كلا الجانبين فى هذه المرحلة الفارقة التى يمر بها الوطن.
< وفى هذا السياق، أرى أن الفن بكل فروعه المتعارف عليها عالمياً، قد انحرف كثيراً عن رسالته السامية - خاصة خلال العقود الثالثة الماضية - وانزلق إلى هوة سحيقة أثمرت أعمالاً أقل ما توصف به أنها هابطة، لا تتفق مع مرجعياتنا الدينية وقيمنا الأخلاقية وموروثاتنا الثقافية وتقاليدنا الأصيلة، بل ولا تساير بشكل صحيح تقنيات العمل الحديثة. وكان ذلك أهم بواعث الخلل والاضطراب الأخلاقى الذى تفشى بالمجتمع، والصدام النفسى الذى اعترى الشخصية المصرية، وحالة الإحباط والتشتت لدى المجتمع. وأعتقد أن السبب الرئيسى لهذا المنتج الفنى الهابط، كان العمل تحت شعارات خادعة، ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب، تركناها دون تمحيص واعٍ أو تقنين دقيق، وتغاضينا عنها لمخاوف داخلية واهية أو لإملاءات خارجية خفية، وكان من أمثلتها شعار حرية الإبداع، الذى لم نتطرق فيه إلى البحث بإخلاص عن معنى الإبداع وحدود الحرية، وشعار الفن للجميع والفن مرآة المجتمع ولا قيود على الفن، وهكذا، ثم سيل الألقاب الهلامية التى أطلقت دون ضابط أو رابط على نجوم جسدوا تلك الأعمال الهابطة، ومع ذلك صاروا أبطالاً بتلك الألقاب، وكذا تقنين
مهن أخرى تحت عباءة الفن، تحض مباشرة على الفحش والرذيلة، وكان مجرد ذكرها فى الماضى يستوجب الاعتذار بكلمة لا مؤاخذة!
إن تلك الشعارات المضللة والاصطلاحات المبهمة والمدخلات غير المناسبة التى تركنا أهل الفن يعملون فى ظلها، مع انعدام الشجاعة من الأصل فى تحديد المفهوم الصحيح للفن ورسالته السامية، كان وراء هذا الانحدار الفنى الذى نعانى منه حتى الآن.
< وفى الجانب الآخر، فإن ما ذكرناه فى الفن، نلحظه للأسف الشديد ظاهراً فى السياسة، وما يعنينا بالطبع هو ما يجرى فى هذه المرحلة الانتقالية الفارقة فى تاريخ مصر، التى زخمت بكثير من الشعارات والتعبيرات الفضفاضة، واستخدمتها كل القوى السياسية بأسلوب أو بآخر وفقاً لتوجهاتها الخاصة، دون التطرق إلى شرح وتأصيل حقيقتها ومعناها وضوابطها، مثل الثورة وحق التظاهر والمطالب المشروعة وحقوق الشهداء والتوافق الوطنى والثورة المضادة والدولة العميقة، وما إلى ذلك، كما شاع استخدام ألقاب دون إيضاح لمحتواها أو تحديد لدورها، مثل ثوار ونشطاء ومندسين وبلطجية وما شابه.
وأخيراً وليس آخراً تأتى بعض الإجراءات ذات معانٍ سياسية متناقضة، مثل العفو والإفراج عن محكوم عليهم فى قضايا إرهابية وآخرين محبوسين لجرائم تخريبية، فى الوقت الذى ننادى فيه بعودة الأمن، ثم هذا العدد من اللجان التى شكلت لتقصى حقائق أحداث الثورة، دون سند قانونى سائغ، فمثل تلك اللجان هى إحدى الأدوات السياسية للبرلمان لمراقبة أعمال الحكومة، أما استخدامها فى وقائع جنائية، فقد يوحى بعدم الثقة فى قدرة وأمانة سلطات التحقيق وأجهزة البحث، أو يظل استخداماً مبهماً لهدف غامض.
< كل ذلك يزيد المشهد السياسى ضبابية وارتباكاً، ومع ما يقابله من تردٍ لحال الفن والثقافة، يكون القلق على المستقبل والخوف من أن يصير الشعب مصاب الفن أو شهيد السياسة.
حفظ الله مصرنا الغالية، وهدانا سواء السبيل.

----
محام وخبير أمني
[email protected]