رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عيد إنقاذ الوطن..

مقالات الرأى

الأحد, 19 أغسطس 2012 02:54
بقلم: دكتور أسامة أبوطالب

ربما لم تمر مصر طيلة تاريخها بما هو أصعب عليها وأخطر مما تمر به الآن. بل ربما لم تكن مستهدفة و متآمر عليها من الخارج والداخل بمثل ما هي مستهدفة ومتآمر عليها من بعد ثورة الخامس والعشرين التي ظننا وأملنا أن يكون في خلاصنا. إنها أقرب إلى أن تكون بناية قديمة شاهقة نبيلة متعددة الأدوار.

كل دور فيها يمثل إضافة للدور الذي تحته وأساسا لما بعده. كما أن كلا منها يحكي بالتتابع قصة حضارة رائعة وطراز عمارة وتاريخ حياة. لكنها – وبالرغم من كل ذلك - تركت طويلا وأهملت كثيرا وتعاقب عليها سكانها الكسالى فأهملوا صيانتها بل ربما ابتزها بعض المستقوين الجبابرة منهم فشّوه زخارفها أو فكّ بعض أبوابها ونوافذها ومشربياتها الثمينة فباعها في أسواق تعرف قيمتها ولكنها لا تملك مثلها. أو وهبها رشوة أو هدية لمن يمدّون له ذراع الحماية وهو يسرق أو يراقبون له الطريق وهو يسطو أو يقاسمونه حين يبيع..
مثلما اطمأن بعض حراسها إلى قوتهم أو إلى عقد «واهٍ هشّ» وقعوه - في لحظة غفلة أو لحظة ضعف - مع جيرانهم من اللصوص وقطاع الطرق والبلطجية فظنوا أن لهم ذمة وأنهم سوف يحافظون على عهودهم الذين أشهدوا عليه من حولهم فاكتفوا بذلك رغم قوتهم؛ وركنوا إلى الراحة رغم كفاءتهم. وتمتعوا بما يكفله لهم حسن النية أو تطمينات النفس من هدوء. كما أن منهم من تواطأ على إسقاطها «بنعومة وتدريجيا» كي يعيد بناء الأرض المقامة عليها بعد تخطيطها وتقسيمها إلى عمارات متشابهة قبيحة يضم كل منها نوعا من سكانها بعد أن تم تصنيفهم حسب قوائم متقادمة بالغة القدم لم يعد يذكرها منهم سوى بعض الكارهين لهذه اللمّة الناعمة الفريدة؛ وبعض السماسرة المستفيدون من الإزالة والتقسيم دون مراعاة لمشاعر أغلبية سكانها الذين ذابوا في بعضهم البعض واختلطوا ولم يعد أحد منهم يذكر أعراقه القديمة أو أصوله إلا

بطريقة عاطفية يستمتع بها بسحر التنوع وجمال الاختلاف وإبداع عبقرية التهجين!
لكن الذي حدث أن العمارة الشامخة العتيقة – بعد أن تعرضت لعمليات منظمة طويلة من «تبويش» أساساتها وتسريب المياه الجوفية وغير الجوفية إلى دعائمها. مثلما تركت خزانات مخلفاتها تسرح على الحقول التي يتعيشون منها والنهر الذي يسقيهم ويروي حقولهم ويأكلون منه لحما طريا - تتعرض الآن لضربات تستعجل سقوطها من الخونة والمتآمرين من خارجها؛ ونبش كثير من سكانها الطيبين والبسطاء والسذج وحسني النية – الذين خدعوا بأقوالهم ووثقوا فيهم بعد أن هيأوا لهم وأقنعوهم أنهم بهدمها سوف يصلحون حياتهم وأنهم سوف يبنون لهم مكانها بيوتا أخرى أقنعوهم بأنها ستكون أكثر ملاءمة وجمالا ووتحديثا -دون أن يدركوا أنهم واقعون تحت تأثير كذبة كبرى وخداع ماهر وغش مرتب مدروس وضعه الذين اتفقوا واجتمعوا على إلحاق كل أنواع الإضرار والإتلاف ببيتهم الشاهق الخالد كي يتهدم ويتهاوى ويسقط ويصبح أثرا بعد عين وأطلالا بعد حياة. بينما كان من الممكن لهم لو تعاونوا واتفقوا أن يتم علاج البيت وترميمه وتقويمه وإعداده كي يكون نموذجا على تقدم عصري وفي نفس الوقت شاهدا على عظمة وتاريخ.
والنتيجة أنهم جميعا – من الداخل والخارج – يعيشون في كابوس مواصلة هزّه ورجّه وتعريضه لضربات المطارق وخبطات الفئوس وتسريب مياههم النقية من تحته حتى ولو عطشوا أو وجفت زروعهم. و الملوثة حتى ولو هاجمتهم الأمراض في غفلتهم !! لكنهم في غمرة هياجهم وهيجانهم - بفعل ما أحدثوه حولهم من ضجة سلبتهم الرؤية وضجيج أفقدهم القدرة على التفكير ومن تحريض أفقدهم استقلال التفكير وإغواء بكل الوسائل لم ينتبهوا لخطورته – حدث أن
انفلت عيارهم فتبادلوا اللكمات والركلات والاتهامات والشتائم دون أن يصغوا لأصوات النصيحة ودعوات التفكير بهدوء من عقلائهم بين هتافات ضالة وصيحات مريبة وتوجيهات مضللة ونصائح يطلقها الخونة. وصيحات تخويف وإنذارات رعب ينذر بها ويروجها المبشرون بالقيامة قبل أن تقوم. وكل ذلك وعمارتهم تهتز وترتج وتتزلزل موشكة أن تقع على رؤوس بعض من رفض مغادرتها إما مستسلما لقدره أو عاشقا لا يستطيع فراقها أو مؤثرا أن يدفن تحتها وأن تكون قبره ومثواه الأخير.حتى بعد أن تخيلوا النهاية وتوقعوها حين تتهاوى تماما وتتداعى ويكتمل مشهد السقوط كما خطط ورسم له.
أي عندما تأتي البولدوزورات العصرية الرابضة مستعدة القادمة من «هناك» من عند كافة الشركاء والفرقاء الذين اشتغلوا وعملوا في مشاهد سابقة في بلاد قريبة وبلاد بعيدة - لكن تجمعها كلها عراقة التاريخ وكنوز الثروة المختبئة المدفونة حولها - كي يسوّونها بالأرض كما خططوا ويبيعونها أنقاضا لمقاولي «الهدد» من أبنائها وجيرانها و من أصدقائها وأعدائها على السواء. من الذين شاركوا في إحداث الزلزلة. والذين ساهموا في الترويع أو في الترويج للفائدة المنتظرة من حدوثه. فالكل الآن ينتظر حصته من الغنيمة ونصيبه من الغنائم والأسلاب بعد أن تمت الإزالة وصمتت الأصوات الرافضة وأغلقت الورش والمحلات وخرّبت المزارع وأحرقت الحقول وتهدمت دور العبادة كلها دون استثناء على روؤس من فرّوا إليها واحتموا بها. كما تحولت المدارس والجامعات إلى ساحات فوضى وحلبات صراع فمات من مات وهرب من هرب وباع من باع – غيره أو باع نفسه سيان. وبعد أن قبض من قبض. وفر من فر. وتنازع من تنازع. وبكي حزنا أو بكي ندما على تخاذله فذرف ما بقي له من دموع وهو يراقب مشهد النهاية الذي تحول إلى مشهد من مشاهد نهاية العالم كما تنبأ بها وصورها المخرج الأمريكي الكبير فرنسيس كوبولا في فيلمه المذهل المخيف «نهاية العالم أو أبو كاليبسو الآن»!
كانت ذلك هو الرؤيا الكابوسية المهددة. والإنذار المبكر إلى سكان العمارة كما تنبأ به بعض من يجتهدون بإخلاص ويفكرون بعمق. وبعض من أحبها وخاف من تداعيها فانطلق يدعو إلى مساندة من يحولون دون سقوطها ودعم من يعملون على منع تداعيها. مثلما انطلق يحذر من المتربصين والشامتين. ومن سماسرة الهدم والمستفيدين «دائما» من الفوضى والمتربحين بعد كل عملية تدمير! وليكن عيدنا هذا هو عيد إنقاذ الوطن.. وكل عام ومصر ومن يحبونها دائما بخير!

بقلم: دكتور أسامة أبوطالب

[email protected]