رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وزارة الثقافة في الغياب والحضور ..

مقالات الرأى

الأحد, 03 يونيو 2012 09:16
بقلم - دكتور أسامة أبوطالب

صفة الغياب في العنوان تعود على «الثقافة» وعلى الوزارة» معا رغم ما اتصفت به أيام الثورة من روعة وانبهر بها العالم من تحضّر أهلها فكيف حدث ذلك في حضور ذلك الغياب وبشهادة الشهود؟ السبب راجع إلى أن ذلك المشهد الحقيقي

للثورة لم يكن أبدا نتاج «فعل تثقيف» طويل مدروس ومتعمد قامت به «مؤسسة الوزارة الحكومية» على مدى السنوات الطويلة السابقة منذ حكم السادات وحتى سقوط نظام مبارك. بل كان نتيجة لتراكم ثقافة مصرية «متحضرة» أقدم تجذرا وأشد تماسكا وأقوى فاعلية وتأثيرا في العقل والسلوك من ثقافة الحكومة والوزراء باستثناء ثقافة مشروع الدكتور ثروت عكاشة التي رفدها مشروع الثقافة المصرية السابق على 23 يوليو 1952وأمدّها برصيد موروث مكتنز بالفكر والإبداع والتحضر لم تلبث أن استهلكته مع مرور السنين وغياب الديمقراطية وسيطرة الاستبداد. ثقافة شارك في صنعها طول الخبرة وضراوة المعاناة في حقب القهر وأزمنة الترغيب والترهيب. مثلما شارك في صنعها ذلك الذوبان - الانصهار المذهل المتوحد من عادات وتقاليد وموروثات وأخلاق وتدين ومقاومة لا تلين للمحتل والظالم أيا ما كان جنسه أو كانت قوته. وهي ثقافة سبقت كل الثورات التي عرفتها مصر وقامت بها حتى ولو لم يكتب لها النجاح في حينها إلا أنها ظلت فعلا ناقصا ينتظر اكتماله الذي تحقق في يومه الموعود كنتيجة حتمية لتراكمه.
هذه الثقافة التي نعنيها – والتي نظّّر لها ودوّنها وأسس لفعلها المفكرون والمبدعون العظام في مستهل عصر التنوير وحتى يوليو 1952 تخرج إذن عن مقررات الكتب المطبوعة والمناهج المفروضة والحكايات المبدلة والبطولات المفبركة الممسوخة لأنها تستمد حكمتها من حكايات الجدات وحكمة الأجداد وسلوك الآباء وحنان وصبر الأمهات. مثلما تخرج عن كل ما تطرحه فصول المدارس وأكاذيب السلطة ومواعظ المحترفين مولّية وجهها إلى ذلك النبع الشعبي الأكثر عمقا والأشد صفاء ونقاوة تنهل منه وتستزيد. ومن شأنها العظيم أيضا أنها مهما غُيبت أو شَحبت أو شحّ تأثيرها فإنها تظل كامنة مختفية في العقل الجمعي للشعوب. متوارية في أشد طبقات لا واعية عمقا تنتظر النضج إلى أن تقفز في فعل متحضر عام ومبهر كثورة الخامس والعشرين من يناير . لا دخل لمؤسسات الثقافة الرسمية بها حين تسطع ولا سيطرة لها عليها حين تقول ولا تملك التوجيه أو التدخل أو الإملاء حينما تنشد أو ترقص أو تغني. مثلما وقفت هذه المؤسسات بكافة عناصرها – مادية وبشرية - عاجزة قاصرة ذليلة أمام جموح أحلامها. ومثلما انكشف وافتضح دور ومهمات مسئوليها وسدنتها وكهانها حينما كانوا يحاولون

مدّ أياديهم لإثبات المشاركة في الثورة كي يقطفوا من ثمارها أكثرها نضجا ويظفروا من حصتها بأكثر الأنصبة مكسبا وفائدة. وقد رأينا كل ذلك بالفعل في كثرة لا تعدّ من كذب الادعاء والتشدق بالانتماء ومحاولات اللحاق ولو بالعربة الأخيرة من قطارها مؤقتا ثم بعدها يقومون بتعديل أوضاعهم وهم في ذلك بارعون!
الخلاصة إذن أنه لم يكن لوزارة الثقافة المصرية أي دخل بالثورة مثلما لم يكن لوزارة التعليم والتربية أي شأن بها. لأن الزمن والسموات المفتوحة وتكنولوجيا العصر وأفكاره – المستعصين على الحجر والتقييد والاعتقال – هم الذين علموا الثوار كيف يلتقون وكيف يرفضون وكيف يحلمون. كما أنه نفس الزمن الذي علم آباءهم وأمهاتهم وجداتهم وأجدادهم كيف يؤازرونهم وكيف يقفون معهم وبهم يتفاخرون. و هي نفس الخبرة وذات المعاناة التي صنعت التململ وزرعت الرفض وساقت إلى المشاركة في التمرد والانتظام في الثورة. وقبل ذلك رعت أحلام التغيير وأمنيات العيش الكريم في عقول الفقراء ونفوس المهمشين وقلوب المحتاجين الذين بدوا بنفس الدرجة من التحضر – لحظة الفعل العظيم - دون أن يعرفوا لوزارة الثقافة عنوانا ولا حتى ماذا تعني كلمة مثقف وإلام تحيل وكيف تفسر شقشقات أمهر المثقفين!
أما في الميدان فقد اختار الثوار الشبان شعاراتهم من وحي الواقع وضغط الحاجة وبريق الأحلام. مثلما تنحّت عن حناجرهم ولفظت أفواههم الأغنيات الرخيصة التي فرضت على جيلهم بعناية وأودعت ذاكرتهم بتعمد وغرست في عقولهم بإصرار خبيث. كما نبذوا المشهد المسرحي الباهت المعاد فابتكروا وارتجلوا وتفننوا في إبداع مشهد آخر مغاير لائق جديد لم يعلمه لهم أستاذ محنط أو محترف متقادم الموهبة بالي الخبرة. مثلما لم تبادر يد مسئول بوزارة الثقافة لكي تلتقطه فتدعمه وتقويه حتى ينبلج عن عمل يحمل صدق اللحظة ووهج الارتجال مع متانة الصقل وحنو المساندة.
كلمات... كلمات.. كلمات كانت كلها تقال إذن – على حد قول شكسبير في مؤسسة الثقافة الرسمية رغم جهود لا يستطيع الإنصاف إنكارها – في مشروع مكتبة الأسرة والقراءة للجميع على وجه التحديد - لكنها أبدا لم تشارك في الإعداد للثورة ولم تدفع مطلقا إليها حيث كان هدفها الأكبر والأهم ضد تغيير الواقع أو عصيانه أو
التمرد عليه بل تثبيته ومؤازرته وتكريسه. فإن حصلت من ذلك فائدة فلا تتخطى زيادة معرفة أو إضافة معلومات. أما الفعل الحقيقي للتثقيف فقد كان ولا يزال قليلا.. قليلا.. ومتفرقا كما تثبت شهادة الواقع في كل مؤسسة من مؤسسات وزارة الثقافة المنكوبة دون افتراء:
في الأوبرا التي سرقت وترهلت واكتظت بالموظفين من الأتباع والمحاسيب وشحب وجهها من إعادة البرامج القديمة. وفي الأوركسترا السيمفوني الذي تضعضع. وفي فرقة الموسيقى العربية ومهرجانها الذي سيطرت عليه واحدة قارب عمرها – أمده الله لها التسعين – ولا تزال تخطط وتحكم وتبرمج وتفيد وتستفيد. وفي الأكاديمية التي ناءت بثقل ديونها ومبانيها من الفساد وثقل حملها من الموظفين وهيئة التدريس أبناء وأصهار وأقارب. وزكمت رائحة الأبحاث المسروقة والمسطحة المقدمة للترقيات والمجازة بالفعل الأنوف. وفي البيت الفني للمسرح والمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية الذي وضع اللمسة الأخيرة في تفكيكهما الوزير عماد أبوغازي ثم أجهز عليه خلفه الدكتور شاكر عبدالحميد بتبديل مواقع رئيسيهما كل في مكان الآخر كمجرد مثال. وفي مؤسسة الثقافة الجماهيرية التي سلبوها اسمها فسموها الهيئة العامة لقصور الثقافة ثم تركوها هزيلة منذرة بالسقوط إن لم تكن قد سقطت بالفعل.
وفي هيئة الآثار التي قريبا سوف تفتح حفائرها معلنة بسطو «ضباع الجبل» عليها حسب تسمية الراحل العظيم شادي عبدالسلام في فيلمه المومياء. وفيما يسمى بهيئة التنسيق الحضاري الرابضة في مكمنها دون دور يذكر تتمكن منه أو تمكن. وفي مسارح مصر المحروقة والمسروقة وكنوزها من اللوحات والتماثيل التي أخرجت من قوائم الجرد وفرت من كشوف الحصر وحدود الوطن. وفي المركز القومي للترجمة ومطبوعات المجلس الأعلى للثقافة – التي طبعت ونشرت مجاملة أو صدقة مخجلة مذلة لأصحابها - ثم تكدست بالمخازن وتعفنت من الرطوبة. وفي التعيينات بالجملة إرضاء لصيحات الشباب العاطلين المساكين من أبناء مصر. وفي المراكز المرموقة التي تم اختراعها أو التسكين عليها بما يخالف القانون حتى ولو كان المحظوظون من أعداء الثورة المعتّقون وفاقدو الخبرة والكفاءة وناقصي الحدّ الأدنى من الصلاحية. كل ذلك جديد.. حدث في عهد وزراء ما بعد الثورة : الدكتور عماد أبوغازي.. والدكتور شاكر عبد الحميد.. وتلقاه عاتق الدكتور صابر عرب الوزير الجديد وكاهل الدكتور سعيد توفيق أمين عام المجلس الأعلى للثقافة اللذان لا يجرؤ أحد فيطالبهما بصنع المعجزات في أيام. لكن الرجلين جاءا وخلفهما من صفحات علمية ووظيفية ناصعة سواء في الوزارة المحزونة أو في الجامعة والبحث العلمي ما يثبت أقدامهما. وقد لخصه الوزير باستشهاده بالحديث النبوي الشريف «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها». لكننا لا نكتفي بذلك ولا يكتفي به الوطن بل نريد منه أن يمد يده ويد زميله فيقتلعان من الحشائش الضارة والجذور الخبيثة ما يقدران على اقتلاعه ولتسندهما النوايا الحسنة والإرادات المخلصة وليوفقهما الله.

< عاتبني الوزير صابر عرب.. بل وطلب مني أن أعتذر للدكتور شاكر.. وكان ردي أنني موافق على أن يعتذر هو عما فعله وما اقترفه بحق الجهات التالية في الوزارة.
والسؤال الآن للوزير الذي أعلن أنه سوف سيزرع الفسيلة: هل يستطيع أن يقوم في فترة وجيزة تالية ما أصابته تصرفات سابقيه بالعوج: مواقع الفساد في؟؟؟.. ؟؟؟..؟؟