الرئيس القادم و ذمة التاريخ

مقالات الرأى

الاثنين, 21 مايو 2012 12:07
بقلم: مجيب الرحمن أبو عامر

منذ فجر التاريخ تعاقب على حكم مصر فراعنة وملوك ..أباطرة وأكاسرة ..خلفاء وسلاطين ..أقاموا على عرشها ماشاء الله لهم أن يقيموا ثم زالوا عنها ،ليصبحوا جميعاً في ذمة التاريخ ..وذمة التاريخ هي ماتناهت إليه أعمالهم طالما أن هذه الأعمال قد أثرت في حياة ووجدان الناس ..كأنها محكمة خيالية تصدر أحكامها بناءاً على وقائع لاتقبل التزوير وقد ترى أحكامها وحيثيات الحكم مقروءة في كتابات المؤرخين وتحليلات الدارسين أو مسموعة في روايات الرواة وحكايات القصاصين أو لعلك تعاينها مباشرة في الأثار وبين الأطلال .

وقد تجد الرجل في ذمة التاريخ ويثار حوله الجدل وتتضارب بشأنه وجهات النظر،وهو أمر طبيعي بما أنه بشر يخطئ ويصيب ، ترضي أفعاله أناساً وتغضب آخرين ،تحقق فائدة من ناحية وتضر من ناحية أخرى فيكون الحَكَم -من ثم- هو المصلحة العامة المتحققة وماترتب عليها من محاسن أو مثالب .
وفي تاريخ مصر الحديث ،الذي بدأ بعهد محمد علي باشا مؤسس الأسرة العلوية التي حكمت بدورها البلاد قرناً ونصف من الزمان و صار حكام هذه الأسرة وأعمالهم في ذمة التاريخ،حتى أن منهم شخوصاً جدلية ثارت حولها التساؤلات وانقسم عليها الناس ، ثم إستقر حكم التاريخ على القاعدة المزدوجة المعروفة "له ما له وعليه ما عليه"،ومن هؤلاء محمد علي نفسه ..هل كان رجل إصلاح نهضوي أم كان رجلاً طاغية إحتكر لنفسه إقتصاد البلاد ؟ والخديو إسماعيل ..هل كان سار بمصر فعلياً على درب الحضارة أم أغرقها في الديون والذل ؟ حتى الملك فاروق الرجل الذي زال على يديه حكم الأسرة بأسرها إُختلف عليه هل كان وطنياً مغلوباً على أمره أم كان فاسداً لاهياً ؟، وبين الثلاثة (محمد علي وإسماعيل وفاروق) حكام آخرين وصمت المساويء بعضهم فيما غضت الطرف عن ماتم في عهدهم من إصلاحات مثل عباس الأول الذي وُصم بالرجعية والجهل لأنه أغلق المدارس وألغى بعثات التعليم وهو الذي مُدت في عهده السكك الحديدية لأول مرة في مصر ،والخديو توفيق الذي اُقترن اسمه بالخيانة الوطنية وتسليم البلاد للإحتلال وهو الرجل المنسوب إليه الإشراف على "الخطط التوفيقية" التي كتبها علي باشا مبارك.
وبعد إنقلاب يوليه 1952 وإعلان الجمهورية ظهرت فئة جديدة من الحكام منتمين في أصولهم للطبقات الدنيا من الشعب ،فانفعل الشعب بهم وأبدى حباً وحماساً، لكن ذمة التاريخ التي أفضوا إليها لاتجامل أحداً ولا تنفعل بأحد، وهكذا جرت أحكامها على الرؤساء الأربعة ،وتسائل الناس من جديد: هل فعل محمد نجيب مايستوجب إبعاده و نفيه سنيناً طوال؟ هل متآمراً على الثورة أم هي التي تآمرت عليه؟ ،هل كان عبد الناصر  مثالاً للحاكم المنحاز لشعبه أم أنه كان حاكماً مطلقاً إنتهت تجربته بنكسة مروعة ؟ هل كانت الدولة البوليسية في عهده بعلمه ووفق إرادته أم أن رجاله نجحوا في تضليله ليضل ثم يضل الشعب الطريق ؟، والسادات هل أراد لمصر أن تنفتح على العالم أم أنه أغرقها بالإنفتاح في لجج البؤس والفقر؟ هل استطاع أن يحقق سلاماً في المنطقة أم أنه أنهى دور مصر للأبد في صراع العرب وإسرائيل بإتفاقية كامب ديفيد ؟ هل راح السادات ضحية لعبة التوازنات السياسية والتيارات التي أخرجها من القمقم أم أن الشعب المصري صار فيما بعد طحيناً بين رحى هذه التيارات ؟ أما حسني مبارك فعهده وكذلك ثورتنا - ثورة الشعب -  التي أسقطته ،مايزالا مثاراً للجدل ،ولأننا مازلنا نعيش في ظل هذه الثورة فإن حكم التاريخ عليه وعلينا لم يصدر بعد، وهو قادم مهما طال الأمد .
لابد إذاً  أن يعي الرئيس القادم أن أفعاله سوف تنتهي إلى التاريخ الذي لاتكذب ذمته،وأن دخول التاريخ يعني أن مصلحة الجماهير فوق كل مصلحة أما الذين وضعوا مصالحهم الشخصية فوق أي مصلحة فقد خرجوا منه غير مأسوف عليهم.
وينبغي أن ندرك جميعاً ونحن نترقب قدوم رجل ستأتي به الصناديق ،أن الرئيس القادم لن يكون نبياً ملهماً أو مهدياً منتظراً ،ولن يجيئنا متوكئاً على عصا موسى ،بل أن المحك سيكون قدرته على إدارة دولة مؤسسات استشرى فيها الفساد ونخرت في عظامها ثلاثية التخلف :الفقر والجهل والمرض ،حتى صار  تحت الرماد وميض جمر ، يوشك أن يكون له ضرام!!
و يا من تنتظرون حاكماً مثالياً مكتمل الصفات، وهماً ماتطلبون لأنه قد إنتهى عصر الأنبياء .

---
بقلم: مجيب الرحمن أبو عامر