الفن الحرام.. تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين

مقالات الرأى

الثلاثاء, 08 مايو 2012 09:24
بقلم: جلال الشرقاوى

عنوان هذا المقال هو عنوان كتاب للأستاذ أيمن الحكيم، وعندما قرأته هتفت: «الله هذا وقته.. برافو عليك يا أيمن».. وعندما انهيت قراءته هتفت: «الله الله.. جزاك الله خيرا يا أيمن.. لقد جعلت من التاريخ شاهدا بين المبدعين والسلفيين ثم نصبته حكما بين الحق والخير والجمال من جهة، وبين الظلام والجهل والتخلف من جهة أخري.

يمتاز قلم أيمن بميزتين أساسيتين هما البساطة والرشاقة فهو يختار مفردات بسيطة واضحة تصل دلالاتها ومعانيها مباشرة إلى العقل ثم هو يصيغ جمله وعباراته فى رشاقة وأناقة فكأنها تتقافز فى ايقاعات مثيرة، دافئة أحيانا متوترة أحيانا أخرى محرضة أحيانا ثالثة فتصل أيضا إلى القلب.. ومحصلة نسيجه اللغوى فى النهاية أشبه ما يكون بقصيدة رقيقة كتبها شاعر قلبه شجن وعقله محمل بهموم مصر.
مادته العلمية غزيرة وافية ولابد أنه بذل كثيرا من الجهد للحصول على كل هذه المراجع التى عاد إليها فى كتابه، وهذه ميزة ثالثة جليلة، فكل ما كتبه موثق عن مراجع أصلية.
الميزة الرابعة هى أن القارئ يحس أن أيمن يعشق الشخصية التى يكتب عنها.. إنه يحبها.. يحتضنها.. يسبغ عليها كثيرا من رقته ودماثته وحنانه.. إنه لا يتكلم باسمها بل يتكلم كأنها هي.. تهمس، تصرخ، تعاتب، تغضب، تتألم، تتعذب، تحب، تفرح.. روح إنسانية كاملة متكاملة.. إنه يستدعى الشخصية أمامنا.. حية.. نابضة.. نعيشها فنتألم معها، نتعذب لاجهاضاتها ونسعد لأفراحها.. يبدأ أيمن الحكيم كتابه بالمقدمة التى كان قد كتبها له الراحل العظيم د. مصطفى محمود.. يقول فيها: الفن والدين كلاهما يتنافسان على القلب.
فى كنائس الفاتيكان أبدعت ريشة مايكل إنجلو ورافاييل فى رسم الجدران والسقوف.. وتألق الفن البيزنطى فى بناء الأبراج.. وازدهرت العمارة والزخرفة فى العصر الإسلامي.. ثم إن القرآن الكريم لم يرفض الشعر ولا الفن بإطلاقه.
ويدق الحكيم نواقيس الخطر مع صعود التيار الإسلامى بعد ثورة يناير إذا لم يعد هناك حساب لسلطة أو مواءمة مفروضة فجاء الهجوم صارخا جارحا.
< يصف د. عبدالمنعم الشحات المتحدث الرسمى باسم الدعوة السلفية أدب نجيب محفوظ بأنه منحط ومنحل وحول مصر إلى خمارة كبيرة، ثم يكاد يطعنه فى دينه وإيمانه.
< ويمضى بنا أيمن الحكيم مع محتويات كتابه «الفن الحرام» عبر رحلة شاقة ومأساوية منذ بدايات القرن العشرين فيقف بنا عند المحطات الآتية:
1- مع يوسف وهبى ومشروع تمثيله لدور النبى محمد صلى الله عليه وسلم والذى عرضته عليه إحدى شركات الانتاج السينمائية الفرنسية.. وأمام هجمة شرسة تكفره يضطر إلى الاعتذار فى بيان رسمى للشعب المصرى وللشعوب الإسلامية قاطبة، ثم يحجم عن تمثيل الدور ويفسخ عقده مع الشركة المنتجة.
2- مع الملحن والمطرب اللبنانى مارسيل خليفة والذى لا يغنى إلا أشعار محمود درويش.. وهذا الشاعر العظيم، كما نعلم، هو المتحدث الشعرى باسم المقاومة الفلسطينية.. غنى قصيدته الشهيرة:
أنا يوسف يا أبى يا أبى.. إخوتى لا يحبونني..
وهو يرمز بذلك إلى وطنه فلسطين.. ويختتم قصيدته:
أنت سميتنى يوسف     وهمو أوقعونى فى الجب
واتهموا الذئب           والذئب أرحم من اخوتي
أبت هل جنيت على أحد عندما قلت إنى رأيت

أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين.
ورفعت ضده عدة قضايا بتهمة تحقير الشعائر الدينية.
3- مع محمد عبدالوهاب موسيقار الأجيال وأغنيته من غير ليه التى كتبها الشاعر الرقيق مرسى جميل عزيز
جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عاوزين إيه وفى مقطع آخر.
مش معقول أبدًا يا حبيبى القدر اللى هدانى بحبك يوم من الأيام يبقى عزول
كيف يغنى عبدالوهاب هذا التساؤل وقد أجاب عنه القرآن الكريم قبل السؤال فى الآية الكريمة «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، ويحال عبدالوهاب إلى المحاكمة بتهمة غناء هذا الكلام المخالف للشرع وفى المحكمة يواجه بتهمة الإلحاد.
4- فى مهرجان الدوحة الثالث للأغنية كانت المطربة ذكرى رحمة الله عليها مدعوة هناك للغناء، وقبل الحفل حضرت مؤتمرا صحفيا.. سألها الصحفى لماذا يهاجر مطربو المغرب العربى دائما ويرحلون تجاه القاهرة والخليج؟
وترد المطربة: مصر هى هوليوود الشرق وفيها الشهرة والأضواء ثم إن الهجرة مفيدة وضرورية أحيانا، ولنا فى رسول الله أسوة حسنة فقد حثنا على الهجرة ورغبنا فى السفر.
وعلى الفور ظهرت فتوى من شيخ سعودى بتكفيرها، وأصدر فتوى بإهدار دمها بتهمة الإساءة للنبى صلى الله عليه وسلم.
وبخبر كاذب دسته إحدى المنافسات للمطربة نجوى كرم بأنها تملك كلبا تطلق عليه اسم محمد واسم الدلع الذى تناديه به هو حمودي.. انطلقت الأفواه تصرخ مطالبة برأس الكافرة.. هكذا دون بحث أو تحقيق أو تدقيق.
ويقرر الشيخ خالد الجندى أن أغنيات أم كلثوم حرام شرعًا.. ويبدو أن فضيلته نسى أغنيات: - نهج البردة - وإلى عرفات الله - وسلوا قلبى - وعلى باب الرجاء.
ولكن الساحة أبداً لا تخلو ولن تخلو من الشيوخ الأفاضل المستنيرين فها هو الشيخ محمد محمود الطبلاوى يعلق قائلا: إن أم كلثوم خدمت الإسلام أكثر من الشيخ خالد الجندي.. ولكن الأخير يعود ويتساءل وماذا عن أغانيها العاطفية؟ ويرد عليه الشيخ محمد الغزالى قائلا إن مشروعية الغناء تتوقف على أمرين: أن يخلو من الكلام الفاحش وأن يخلو أداء المطربة من الإثارة ومخاطبة الغرائز، فإذا ما طبقنا الشرطين على غناء أم كلثوم ستجد أنك أمام مطربة راقية الكلمات والأداء.
ثم يسجل لنا أيمن الحكيم مقالا طويلا عن آراء فضيلة الشيخ يوسف القرضاوى عن الفنون.. والمقال جدير بالدراسة والمناقشة فهو يحتوى على آراء رصينة وسطية تضع الإسلام فى مكانه الصحيح ولكنها تنظر أيضا إلى حاضر الأمة.
ثم يحدد لنا الحكيم الصعاب والمتاعب والمشاق التى واجهها المخرج العظيم الراحل مصطفى العقاد، وهو ينتج فيلم الرسالة الذى منع الأزهر ومجمع البحوث عرضه فى مصر لأنه الفيلم الحرام.. ولا يزال هذا القرار سارياً حتى يومنا
هذا رغم أنه تم انتاجه عام 1981.
ويسجل أيمن الحكيم تجربتى مع السلطة الدينية عندما حاولت أن أقدم مسرحيتى الكاتب الراحل العظيم عبدالرحمن الشرقاوي الحسين ثائراً، الحسين شهيدا، فى إعداد واحد تخلصت فيه من كل المحظورات الدينية، وركزت فيه على قضية التوريث.. معاوية بن أبى سفيان يريد أن يأخذ البيعة لابنه يزيد فى حياته، ويستطيع بسلاحى الترغيب والترهيب أن ينتزع من الجميع كلمة «نعم» إلا واحد استطاع أن يقول «لا» هو الحسين سيد الشهداء.. وهذه المرة رفض الأزهر الشريف ومجمع البحوث هذه المسرحية لأسباب سياسية وليست دينية.
ومن اليمن يسجل لنا أيمن الحكيم بعض قصة الشاعر اليمنى على المقرى الذى كان قد كتب قصيدة اسماها «تدليك» كان يتخيل فيها حالة نزوة عابرة من امرأة عابرة، فاعتبرها بعض خطباء المساجد فى صنعاء خروجا على الدين وتدعو لخدش الحياء فدعوا لمنعها وجلد شاعرها.
وعندما كتب كتابه «الخمر والنبيذ فى الإسلام» قامت ضده الدنيا ولم تقعد واتهم فى دينه وبأنه يحلل الخمر، وهى مخالفة إن صحت تدخل صاحبها فى دائرة الكفر.. ودافع المقرى عن نفسه بأنه كتب بحثاً تاريخياً وليس فقهيا معتمداً على كتب التراث مفاده أنه لا يوجد نص فى القرآن لعقوبة الحد على شارب الخمر، ورفضت كل دور النشر فى كل الأقطار العربية أن تنشر هذا الكتاب.. ويقول المقرى «إن حملات التكفير تنطلق ضدى من ثلاث جهات الدينية والتجارية والسياسية، ويصبح المثقف كبش الفداء للجميع».
وينضم الشاعر الأردنى إبراهيم نصر الله إلى زميله اليمنى فهو يواجه أيضا محنة حقيقية بسبب ديوانه «نعمان يسترد لونه» والذى صدر قبل 23عاما إلا أن حكما صدر مؤخرًا بمصادرته بعد صدوره ضمن الأعمال الكاملة.. ويواجه الشاعر الأردنى ثلاث تهم تصل عقوبتها إلى السجن.
ثم تجيء معاناة يوسف شاهين وفيلمه المهاجر والتى استمرت ثلاث سنوات ما اضطره أخيرا إلى تحويل فيلم «يوسف واخوته» إلى «المهاجر» بحجة أن الأزهر حرم ظهور الأنبياء على الشاشة، ومع ذلك فلا يزال فيلم المهاجر ممنوعا من البث التليفزيونى المصرى بحكم المحكمة.
ثم يسجل الكتاب بعد ذلك شهادات كل من:
< الشيخ يوسف البدري والذى رفع عدة قضايا ضد مؤسسات صحفية كبرى وضد مثقفين بارزين منهم د. جابر عصفور «غرامة 50 ألف جنيه لصالح الشيخ» الشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى «غرامة 20 ألف جنيه» جمال الغيطانى - إبراهيم سعده - الشاعر حلمى سالم - المفكر د. نصر حامد أبوزيد والذى صدر ضده حكم بالردة وتم التفريق بينه وبين زوجته، واضطر المفكر الكبير إلى الهرب خارج مصر، ثم أخيرا د. سيد القمني.. لقد هزمهم الشيخ جميعا باسم الإسلام.
< د. نوال السعداوي..
< الأستاذة صافيناز كاظم التى تتهم الشاعر أمل دنقل بالالحاد وتواجهها الأستاذة عبلة الروينى أرملته، نافية هذه التهمة الشنيعة قائلة لا يستطيع أحد أن يحكم على آخر بالإلحاد، هذه مسألة يحاسبه عليها الله وحده وليس عبداً من عباده.
< الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا..
< وأخيرا الشيخ عبدالمنعم الشحات المتحدث الرسمى باسم الدعوة السلفية الذى يدعو للأخت هيفاء وهبى بالهداية ويحذرها من الغواية.
ويرجعنا الحكيم إلى عصر مضي.. إلى عام 1937 عندما نشر إسماعيل أدهم كتابه «لماذا أنا ملحد»؟ ولم يقم عليه حد الحرابة واكتفوا بالرد عليه بكتاب محمد فريد وجدي لماذا أنا مؤمن»؟
ويقول الحكيم إن الوسط الفنى مصاب بالذعر والخوف من صعود التيار الإسلامى الهائل بعد ثورة يناير وتصدره للمشهد السياسى ونجاحه المذهل فى انتخابات مجلس الشعب لدرجة أن فنانا كبيرا مثل الأستاذ محمد صبحى يفكر فى الهجرة.
وأنا أرد عليه وعليهم قائلا إن المثقفين والفنانين والأدباء الذين قاوموا حكماً مستبدًا كاتما للصوت ولحرية التعبير أكثر من ثلاثين عاما يستطيعون بمشيئة الله أن يصمدوا ويقاوموا تيارات العودة للقرون الوسطى.
لا للرقابة على المصنفات الفنية..
لا للرقابة الأمنية..
لا للرقابة الدينية..

----

بقلم: جلال الشرقاوى