مصر السعودية رايح جاى

مقالات الرأى

الأحد, 06 مايو 2012 08:58
بقلم - دكتور أسامة أبوطالب

بهذه الصيغة ينادى على زبائن الباصات والميكروباصات والتاكسيات التى تقطع طريقاً سالكًا آمنًا بين مدينة وأخرى. مثلما يطلقها المصريون على شخص تعودت أقدامه أن تقطع طريقاً بذاته ذهاباً وإياباً. وبما يعنى أنه قد عرفه تماما وأنه اعتاد على المشى أو السفر فيه آمنا مطمئنا. ولهذا السبب نفسه كان عنوان أول فيلم مصرى يحقق إيرادا تاريخيا ضخما فى تاريخ السينما المصرية وهو فيلم «إسماعيلية رايح جاى»!

وهكذا أيضا أصبحت علاقة المصريين بأشقائهم وجيرانهم فى المملكة العربية السعودية. يذهبون إليها لأداء فريضة الحج فإذا عادوا منها عاودتهم اللهفة لتكرار الزيارة. ورغم أن ذلك هو شأن كل المسلمين؛ إلا أن للأرض المقدسة فى قلوبهم إيقاعات أكثر دفئا على مستويات ثلاثة أولها أنهم تاريخيا «أخوال» السعوديين حيث تبدأ القصة بقدوم سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام مأمورا من الله سبحانه وتعالى أن يصطحب السيدة «هاجر» زوجته المصرية إلى أرض مكة ثم يتركها مع رضيعها وابنها البكر «إسماعيل» بقليل من الزاد والماء تنفيذا للأمر العلوى أن يدخل فى تجربة أولى على أرض غريبة قدر لها أن تتقدس وتتفجر فيها معجزة بئر زمزم تحت قدمى طفلها وتظل حتى آخر الدهر منهمرة لا تجف نبعها. ثم على نفس أرض مكة تحدث المعجزة الثانية: اختبار الله لنبيه وخليله إبراهيم حينما رأى فى المنام أنه يذبح اسماعيل ثم فداؤه بذبح عظيم يرحل الأب بعده مأمورا - بعد أن يرفعا قواعد البيت المحرم – ثم يتزوج من أهلها وينجب ويكثر نسله من العرب أبناء هاجر المصرية وقد أودع دماؤهم نسلها ونسل نبى الله ابراهيم!
ذلك هو المستوى الأول الإثنولوجى للعلاقة بين المصريين وأهل الحجاز / المملكة العربية السعودية والتى لا تضعفها تقلبات السياسة ولا يوهن من ترابطها تغيير حاكم أو تبدل زعيم. يحكى الأجداد المصريون وأشقاؤهم السعوديون عن قوافل كسوة الكعبة واحتفالات خروجها قاصدة الأرض الطاهرة. مثلما لا ينسون مطلقا مواقف الملك فيصل الجليلة الصادقة قولا ونفاذا مع علم حقيقى وتواضع ونبل وإباء. وأنه من دعم مصر فى حروبها ومن قطع البترول عن الغرب بعد أكتوبر 1973 فأرهقه وأذله وأثبت له أن لمن يتآمر عليهم ويساند عدوهم ويستهين بهم قوة كامنة

هائلة ينبغى أن يحذروا من انطلاقها وانفجارها. ولم يكن جلالته فى ذلك مجرد بوق صارخ أو صيحة فارغة - مثل كل الزعماء الديماجوجيين الذين عرفهم العرب والعالم – بل كان صاحب موقف فاعل وقرار نفذه بالفعل حينما أعلن ببساطة عربية أبيّة لا تكلف فيها ولا استكبار أنه من الخيمة العربية أتى وإليها فى أى لحظة من الممكن أن يعود إليها وإلى البادية مستغنيا ببساطة عن كل مظاهر الأبهة وحياة الترف إذا ما اقترنت بمذلة أو ارتبطت بالهوان!
ومن يومها - وكأن علاقة الدم هذه تستيقظ أو تولد من جديد - أصبح لأهل البلد الحرام فى قلوبنا مكانة خاصة بعد أن عرفناهم سندا فى الملمات وإخوة فى الأزمات وأهلا ربط بيننا وبينهم نسبا لا يزال يتجدد فى صبية يولدون سعوديين من مصريات ومصريين من سعوديات. فإن حدثت بينهم مشاكل فهى عابرة. وأزمات فهى منذ نشوئها محلولة. وسوء تفاهم يعرف لحظة حدوثه أنه بسبيله إلى الاتضاح حيث لا مستقبل لأى دسيسة تدس بيننا. هكذا علمنا درس التاريخ. مثلما أثبت لنا فشل أى تآمر وخيبة أى سعى بوقيعة!
حقيقة ما حدث مؤخرا إذن أنه بدأ بفعل تلقائى عاطفى للمطالبة بتحقيق عاجل وعادى لمشكلة المواطن المصرى الجيزاوى المحامى والناشط فى حقوق الإنسان. وأن تلك المطالبة كانت تحمل شكّا قديما وارتيابا صاحب العهود الماضية فى صدق بعثاتنا الدبلوماسية وإخلاص عزمها وإقدامها على حل مشاكل أبنائنا وأهلنا فى الخارج بأكمله وليس فى المملكة العربية السعودية وحدها. وأنها أيضا جاءت فى وقت حرج نعيشه وفترة متأزمة أخرجنا الله منها قريبا سالمين. وأنه فى تلك الفترة – ومنذ قيام الثورة – تقذف مصر بكل ما فى جوفها – كما كتبت فى المقال السابق – فيختلط الصدق بالكذب والوضوح بالارتباك والمصلحة الخاصة بالأطماع الشخصية تندس فيها وتنطق باسمها وتحرض وتؤجج لحسابها. وهكذا اختلطت الوقفة أمام السفارة
السعودية فامتلأت بمن يستفسر بصدق ومن يلتمس التوضيح بإخلاص. ومن يأمل ومن يتعشم. وأيضا بمن ينشر الفتنة ويبذر بذور الوقيعة وينشر الشائعات وبمن يحرض ثم بمن يشعل نيران الحريق.
وهكذا اندس أعداء استقرار الوطن وكارهو أمنه ورافضو صداقاته من أولئك الذين راهنوا ولا يزالون يراهنون ويتآمرون على تجويعه وهدم استقراره وتمزيق أواصر صداقاته وتقطيع روابط علاقاته وفرض عزلته ثم الانتهاء إلى إعلانه منطقة خطر ومساحة فوضى وأرض فتنة يحذر العالم من دخولها أو الاقتراب منها إلا بعد أن تتحول إلى خرائب وتصير إلى أنقاض. وعندئذ يأتون: يدخلون مع سادتهم من «مقاولى الهدد» - كما نسميهم – ليأخذ كل نصيبه فى الغنيمة ويقتطع كل حصته من جثة مصر المنتهكة المستباحة!
وهو ما أصيبت به الوقفة «العاطفية» الأولى ذات المطالب البسيطة السلمية الواضحة والتى قام بها شباب نتفهم طبيعة دمائهم الفائرة بالغضب والثائرة من أجل إنهاء مشاكلهم وتحقيق مطالبهم فى عمل وسكن وحياة آمنة كريمة. فإذا بالآخرين – وبكل مسمياتهم الرديئة والدنيئة وأهدافهم المغرضة – يندسون. وإذا بالوضع – وبشكل طبيعى – بتفاقم مع البطء فى إجراءات الاستفهام والتأخر فى التوضيح والاستهانة بأهمية الشرح من كلا الطرفين دون أن ننسى تضارب الأخبار وتعارض المعلومات ثم – وبشكل خاص ورئيسى – صرخات الإعلام على شاشات يراد بها أن يزداد الوضع اضطرابا والأمور توترا كى تروّج الإعلانات ويتضاعف المشاهدون؟!
كل ذلك إذن قد تسبب فى تفاقم التجاوز وعلو درجة التوتر حتى وصلت إلى التعبير السوقى والاحتجاج الوقح الذى نال كثيرا من الشرفاء ويتم إطلاقه بيننا يوميا ولا يزال فى تربة لا تزال كذلك هشة وقابلة للتفكك. لكن وقفة أخرى أمام السفارة الشقيقة نقية راقية ومتحضرة قام بها شباب عقلاء ووطنيون مخلصون يحملون ورودهم وزهورهم ومحبتهم واعتذارهم لا بد وأن تكون قد مسحت قطرات الحزن ونفضت غبار العتاب وطهرت بقع التلوث العارض وأزالتها من على صفحة الثوب الواحد الناصع المشترك.
ولأن ما فى البطن يتشاجر - كما تقول أمثالنا الشعبية – تعود السفارة السعودية وأهلها عامرة بيننا وتذهب بعثة الحج المصرية وتعود مطهرة مطمئنة. ويأمن من لنا فى الأرض الشقيقة المقدسة من الأحياء وتهدأ روح من دفن منا فى جوفها الطاهر من الراحلين. كما ينعم من لأبنائها بيننا بمحبة متبادلة وعشرة طويلة طيبة وسطنا نحن المصريين / العرب المسلمين والمسيحيين. وتحية لكل من تصدى بصدق وتفهم فى مودة وكتب بإخلاص... تحية إلى خادم الحرمين الشريفين بحكمته وإلى «جميل الفارسى» الكاتب السعودى شقيقا مخلصا وقلما نبيلا وعربيا صادقا لأنه أول من شرع قلمه وأطلق كلماته تنشر ضوءا وتبدد قتامة وتنشر عطر محبة مصرية سعودية لا تزول. كما أن ثقتنا فى نزاهة قضاء المملكة وعدالة حكمها ثابت وحقيقي!

---

بقلم - دكتور أسامة أبوطالب
[email protected]