مصطفي النحاس: التقي.. النقي.. الصادق.. الورع

مقالات الرأى

الخميس, 03 مايو 2012 08:27
بقلم :د. عبدالمحسن حمودة

عاش زعيم الأمة.. مصطفي النحاس فقيراً ومات فقيراً وكانت حملات خصومه عليه من السذاجة بحيث ارتدت إلي صدورهم جميعاً، وعلي سبيل المثال، فإن قصره المعروف في جاردن سيتي الذي يشغله الآن المجلس الأعلي للشئون الإسلامية قد استأجره وبقي مستأجراً له دون أن يمتلكه،

وقبل أن ينتقل إلي جاردن سيتي كان يستأجر أحد منازل شركة مصر الجديدة ولعدم قدرته علي الإنفاق علي مسكنين فكر في تأجير داره في مصر الجديدة من الباطن ليكمل مصاريفه عن طريق الحلال المشروع وأذنت له الشركة، ناظرة إلي منزلته في الأمة وخدماته للبلاد وسكانها، علماً منهم بأن لا مطمع له في ابتزاز أموال، أو ابتغاء ثراء من وراء رئاسة شركة أو قبول عضوية في المصارف والبيوت المالية، إنما يعرفون عنه كما يعرف المصريون جميعاً أنه يعيش من كسبه الحلال عف النفس، طاهر اليد.
وظل النحاس باشا محافظاً علي أقصي الحدود فيما يتعلق بكرامته فلم يقبل أبداً مالاً من الرئيس عبدالناصر إلا أن يكون بشيك باسمه مسحوباً علي الخزانة العامة للدولة.
وقبع زعيم الأمة مصطفي النحاس في بيته لا يزور أحداً ولا يُزار، حتي أمم عبدالناصر قناة السويس فأرسل له برقية تهنئة، فقدر عبدالناصر هذه الوطنية العالية، وكان قد علم أن «النحاس» يعاني من قلة المال وقسوة المرض فأرسل له عبدالناصر 400 جنيه فلم يقبلها النحاس، وأصر علي أن تكون بشيك علي الخزانة العامة، فكان له ما أراد.
هكذا كان «مصطفي النحاس» في تعامله

صارماً في الحق نظيف اليد، واضحاً في تصرفاته علي قدر بالغ الذكاء والإحساس بالتاريخ.
فوجئ «النحاس» مفاجأة تتعلق بشخصه، وهي محاربته في رزقه فقد أخبر أن إسماعيل صدقي باشا رئيس الحكومة وديكتاتور مصر آنذاك أصدر قراراً بتخفيض معاش «النحاس» من 125 إلي 67 جنيهاً، وهو المعاش الذي يحصل عليه وليس عنده سواه، فقد أنفق كل مدخراته من المحاماة عندما كان يشتغل بها في شئونه وشئون عائلته المكونة من تسعة أشخاص هم: شقيقته الأرمل وأولادها الثمانية يتولي النحاس شئونهم من تعليم وكل مطالب الحياة وكان المعاش يكفي بالكاد إذ كان عنده سيدة إيطالية تتعهد الصغار من طفولتهم، وكان يعطيها المعاش لتنفقه عليهم جميعاً وتكفيهم حسبما يكون، فلما جاءه نبأ تخفيض المعاش حزن وتألم، وقال «سبحان الله» ألم يكف هذا الرجل الفاجر «إسماعيل صدقي» أن يحاربنا من الناحية الوطنية فيعمد إلي أحط أنواع الحرب في الرزق، رزق أطفال صغار وأرملة مسكينة؟
وأخذ يفكر ماذا يصنع في هذه الكارثة، لم يتأثر من الناحية العامة ولكنه تألم من ناحية الأسرة، التي في عنقه ثم أخذ يفكر كيف السبيل إلي حل هذا الإشكال دون أن يظهر ضعفاً أو تأثراً أمام خصومه حتي لا يشمتوا أو يظنوا أنه ضعف أو استكانة،
وقضي ليلة لم يذق فيها طعم النوم، وفي الصباح الباكر ارتدي ملابسه ونزل إلي حديقة المنزل علي غير عادته وأخذ يمشي ذهاباً وإياباً ودخل عليه سكرتيره الصحفي وهو في هذه الحالة من الاضطراب، فسأله: خيراً؟.. قال النحاس باشا: إن صدقي خفض المعاش، بحيث لا يستطيع مواجهة المطالب الضرورية.. فقال الآخر: ألا يعلم أعضاء الوفد من الموسرين أمثال حفني باشا الطرزي أو محمد الوكيل باشا أو سيد بهنس أو بولس حنا باشا أو سينوت حنا، وهم الحمد لله موسرون ولا يظن أن أحداً منهم يتردد أن يقرضه مبلغاً يحل به هذه الأزمة مؤقتاً حتي يدير الأمر، فأخبره زعيم الأمة بأنه من المستحيل أن يتحدث مع أي واحد من هؤلاء في مسألة من أخص خصائصه كهذه.
وانتهي الفكر بزعيم الأمة بأن يتجه إلي بنك مصر ليقابل طلعت باشا حرب ويتحدث معه في أن يقرضه سلفة تغطي مصاريفه وليرفع الأمر للقضاء وأنه مطمئن إلي أن الحكم سيكون في صالحه.
ووصل «النحاس باشا» إلي بنك مصر فاستقبله سلطان بك وكيل البنك وقابله طلعت باشا حرب علي الفور وتحدث معه في الموضوع وفي أنه يفكر في حالة موافقته علي السلفة أن يأتي له بشخص من الموسرين ليضمنه طبقاً لقانون البنك، فابتسم طلعت باشا وقال: يا باشا هذا كلام لا يصح، إذا كانت مصر كلها ونحن من أبنائها ائتمناك علي قضيتنا، أفلا أئتمنك علي عدة آلاف من الجنيهات؟
ثم ينادي سكرتيره ويقول له أن يحول الآن مبلغ خمسة آلاف جنيه إلي حساب الباشا الجاري في البنك ليكون تحت تصرفه فإذا أوشك هذا المبلغ علي الانتهاء نحول له مبلغاً آخر حتي تنتهي هذه المحنة بسلام.. والتفت إلي زعيم أمتنا ويقول: يا باشا البنك ورئيسه ومجلس إدارته في خدمتك.. وودعه حتي السلم الخارجي.. وخرج زعيم الأمة مسروراً.

د. عبدالمحسن حمودة
رئيس الطليعة الوفدية