رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مصر تفرغ ما فى جوفها..!

مقالات الرأى

الأحد, 29 أبريل 2012 00:25
بقلم- د. أسامة أبو طالب

لو أن فى مصر محللين سياسيين موضوعيين لعرفوا ماذا يريد شعبها وما ينقصه وما يحلم بتحقيقه ويلح عليه ويؤكده بإصرار منذ قامت الثورة!! ولو أن لديها زعماء مخلصين حقيقيين لأجمعوا أمرهم واتفقوا فيما بينهم على اختيار من يثقلون كاهله بعبء الرئاسة ويطوقون عنقه بحمل أمانتها فى هذا الظرف الصعب العسير. ولو كان من بين «زعماء اللحظة الحالية غير المتوقعة»

هؤلاء من أخذ حظه ووقته فى التكوّن الشرعى فانتبهت إليه الجماهير وتعرفت على شخصيته ودرست سلوكه وتصرفاته ومواقفه ولأصبحت المنافسة بينهم أكثر وأسهل وأشد واقعية وصدقاً، بل إنصاف مما هى عليه الآن. ولو كان فى مصر أحزاب غير ورقية لتمتع كل منها بجماهيره الواعية وبرامجه الواضحة وقياداته غير المختلف عليها ورصيده التاريخى المكشوف الذى لا يمكن التشكيك فيه. وأيضاً لكان لكل منها رؤى المعالجة الخاصة وأولويات التحقيق المفضلة والمدى الزمنى المفترض والخطط المعالجة لتأخير الإنجاز أو تعويقه. وقبل ذلك لكانت هذه البرامج والقيادات والخطط والعقبات والمشاكل معلنة على مواطنيهم معروفة لهم جميعاً!
أما عن الأحزاب فباستثناء الوفد والإخوان المسلمين والشيوعيين نظراً لسبقها السياسى التاريخى وممارساتها الخفية أو المعلنة - وبقدر كبير غير مجهول من التفاوت فى تحقيق ذلك بينها - فلم يعرف لبقية الأحزاب الأخرى تاريخ سياسي ولا نضالي سابق. مثلما لم يعرف لها برنامج محدد ولا زعامة مقنعة أو عدد كافى من المنتمين يضمن دخولها ساحة المنافسة ويدافع عنها. مع استثناء وحيد هو حزب الوسط نظراً لأقدميته النسبية فى الإعلان عنه وكسب أنصار له والتعريف ببعض قياداته من تاريخ سابق للثورة حتى مع بقائه زمناً معوقاً تحت ما يسمى بـ «التأسيس»! وهكذا يمكن الزعم بأن خلو الساحة الطويل من الممارسة الحزبية الديمقراطية الحقيقية لحركات سياسية وأحزاب قديمة سواء بحظر بعضها قسراً - كما فى حالة الإخوان أو بشكلية الوجود وضعف الممارسة الحقيقية كما فى حالتى الوفد والتجمع مع سرعة تأسيس أحزاب جديدة انبثقت من رحم الثورة أو فيما يليها مباشرة وبلهفة مبررة

أو بجوع له أسبابه - كان سبباً مقنعاً ومبرراً منطقياً لما ظهر من انتساب متعجل لبعضها ثم خروج سريع لاحق منها أو انشقاق مفاجئ عليها. كما أصاب حركة جميع الأحزاب بالقلق والتوتر والارتباك الذى أدى إلى تغيير مفاجئ غير مدروس فى بعض مواقفها. مثلما تسبب فى تغيير بعض قياداتها بالمرشحين للرئاسة من قبلها، علاوة على ارتجال فى الخطط واندفاع فى اتخاذ القرارات وعدم الثبات فى التوافقات والائتلافات. الأمر الذى انعكس على «الميدان» نفسه - الذى كان بمثابة الملتقى الشعبى الموحد للثورة أيام انفجارها وتوجهها - فنقل إليه عدوى التقلب والتغير فى البشر والشعارات والانتماءات، بل وفى جوهر وجوده وشرعيته ومظهره الذى لم يخل كثيراً من التلوث ومن الاندساس ومن استخدامه لغير التعبير عن الأهداف النبيلة للثورة ومطالب التغيير الشرعى ورأى الثوار الحقيقيين. وهو ما أثار سلباً على الشارع المصرى وما يضمه من ملايين، لا يستثنى منهم جائع ولا شبعان، غني أو فقير، ثوري أو كاره للثورة، حالم بالتغيير واثق فى حتمية حدوثه أو رافض له متمنياً فشل دعوته.
وبالطبع كان لابد لحالة الاضطراب والتخبط هذه أن تزيح الرؤية السياسية الناصعة بعيداً وأن تحل محلها حالة هوجائية من العاطفية الفجة والاختيار الانفعالى أو التجمع العصبى الجغرافى أو القبلى الغوغائى أو الدينى الزاعق - وحتى المتطرف - دون تفكير فى برنامج المرشح للرئاسة. بل وربما دون معرفة كافية به أو بناء على إعجاب سطحى لا تدعمه مبررات موضوعية مقنعة تعكس وجود الوعى السياسى المطلوب واللازم لاختيار قائد للمرحلة القادمة يناسب خطورتها بقدر ما يمثل دفعاً لشخصية منقذة يتفق على كفاءتها ويوثق فى قدرتها على اجتياز اللحظة الحالية الخطرة والدخول بالوطن إلى مرحلة تالية
تبشر بتحقيق الاستقرار. وبالتالى فقد تم ترك الساحة مفتوحة على الغارب متقبلة لكل ما تسرب إليها من شخصيات تدعو إلى الانتقاد أو تثير السخرية المرّة. ولتصبح رئاسة مصر وكأنها «هانت أو هزلت» أو كى يقال عنها إنها أصبحت كذلك. ولكى تتحول «ديمقراطية المصريين» الحالية والمنشودة إلى نوع من المأساة الملهاة تصيب القامات الرفيعة منهم بالخجل مثلما تصيب العقلاء بالحسرة والأصدقاء بمشاعر الشفقة والرثاء. وفى نفس الوقت تهب الأعداء مادة خصبة للشماتة والسخرية من الثورة التى وصفت على مسمع ومرأى من العالم بأنها: ملهمة وبأنها فريدة وبأن على العالم أن يتعلم من أصحابها.
وهكذا فتحت «البالوعة المصرية» التى ظلت مغلقة على ما فيها عهوداً طويلة، لتنطلق منها الأبخرة والغازات السامة المختزنة من كل عهود القهر والسرقة والاستباحة محملة بكل ما يمكن تصوره من مشاعر سلبية يأتى فى مقدمتها الكره والشراسة والتدافع والتضارب والتحدى والعصبية والوقاحة بسبب وبدون سبب. ولتظهر أشد الأزمات إيلاماً وأكثرها فداحة ومدعاة للسخرية بدءاً من أنابيب الغاز والبنزين والسولار، مروراً بحوادث الطرق والاغتصاب والترويع والخطف والسطو على البنوك والمؤسسات العامة، بجانب الوقفات الفئوية لزيادة رواتب من لا يعملون وتعيين من لا يتوقع أن يقومون بأى إنتاج وحشر المفتقدين للخبرة فى وظائف مكتبية وهمية، علاوة على افتقاد الخلق والتمادى فى الوقاحة وتطاول الصغار على الكبار، والطلاب على أساتذتهم، وتدخلهم فيما لا يفهمون فيه ولا يعنيهم من شئون ومهام.
وفى ظل ذلك كله وحوله هيجان الإعلام وتهييجه للمشاعر وتعمده خلق البلبلة فى الأفكار والتشكيك فى المواقف وتشويه التواريخ وتلويث الشخصيات - كل حسب توجهه أو تمويله - والنفخ فى نار التوتر وإشاعة حالة عامة من عدم الفهم وعدم الرضا وعدم الرغبة فى التريث وكأننا نستمع ونشاهد معزوفة جهنمية من آلات الصخب وإيقاعات الفوضى النشاز يعزفها ويقود أكثرها هواة وأنصاف متعلمين ومشبوهون سياسياً ومتحولون فى أفكارهم ومستفيدون فوريون أو دخلاء على المهنة المحترمة كى ينصبوا من أنفسهم مفكرين ومعلمين وموجهين ومحرضين ومشعلى حرائق لا يعنيهم وقوع شهداء من الشعب الذى تمزقت وحدته وتهرأ تماسكه. ولا من رجال الشرطة المضحين بأنفسهم لتحقيق أمنه. فهل نتفاءل وننظر إلى كل ذلك باعتباره «تصريفاً طبيعياً» وتنفسياً مرحلياً سوف ينتهى للقمع والقهر والحرمان بعد تجمعهم عقوداً ثم انفجار الأوردة والشرايين المصرية كى تلقى به خارج جسدها ليتحرر ويتطهر ويغتسل ثم ينطلق صحيحاً متعافياً ليعاود الحياة الطبيعية والأداء النظيف؟.. ذلك ما نرجوه ونتمناه ولا نتصور حياتنا أن تستمر آمنة منتجة بدونه!

بقلم- د. أسامة أبو طالب

[email protected]