على الطريق إلى المستقبل

مقالات الرأى

الخميس, 26 أبريل 2012 09:59
بقلم- د. حسين ياسين الجازوى

لايجب الخلط بين تاريخنا العظيم وحضارتنا الممتدة فى عمق التاريخ وتنوع وتعدد الثقافات التى نمت على أرضنا فتركت آثارها وبصماتها على شخصية مصر العظيمة وروحها وأبنائها وبين الحالة السياسية التى يعيشها وطننا الغالى.

لأن ما يحدث الآن هو بداية لمشاركة وطنية شعبية حقيقية لم تتحقق من قبل من الممكن أن نطلق عليها سنة أولى سياسة.  ومن المعروف أن الآليات السياسية وتطبيقاتها الشعبية مثلها مثل غيرها من التطبيقات الإجتماعية والإقتصادية تنضج مع الوقت وتتحسن بالممارسة.  ولهذا فإنه من باب وضع الأشياء فى موضعها الصحيح النظر لثورتنا ومجتمعنا على أنه مجتمع وليد ومولود جديد جاء من رحم الثورة بعد قرون وعقود من الإحتلال والظلم والإستبداد فولد تائها مشتتا لديه تراث نظرى هائل وثقافة ضخمة وقيم عظيمة تملأ آلاف الكتب وتعج بمخطوطاتها آلاف المكتبات وتتطلع إليها القلوب والعقول لتجعلها أساس لبناء مستقبل وتاريخ جديد يستحقه هذا البلد العظيم.  لكننا مع كل هذا نفتقد إلى القادة المؤهلين والخبرة العملية والتطبيقات الواقعية بعد عمليات التجريف والتفريغ الممنهج التى مارسها النظام البائد ومن قبله الإستعمار ليقضى على المقاومة وينفرد بالقيادة والصدارة.  ولهذا ليس من العيب وهذه حالنا من حيث الممارسة السياسية والديمقراطية أن نخطىء فى مواطن ونتخبط فى أخرى ونتوه ونختلف فى بعض الأحيان لكن المهم أن نكون على الطريق الصحيح نصيب ونخطىء فنصحح أخطائنا ونبنى على ماحققنا ونتطلع كل يوم إلى خطوة جديدة وأفق جديد حتى تتكون لدينا رؤية فاحصة وخبرة عملية نافعة تنشىء بما تعلمناه وما لدينا من ثقافة وقيم

عليا وتاريخ وحضارة أمة إبداعية قادرة على تقديم كل جديد وعظيم ومفيد فى عالم السياسة والناس كما كنا على مر العصور.  وهذه هى المرحلة الإنتقالية التى يكون للمثقفين فيها الدور الأكبر لبناء ثقة المجتمع فى نفسة وإزالة التراب عن معدنه وثقافته وأصوله وقيمه وغرس الثقة بين أفراده وطوائفه وأحزابه وإزالة التدنى والتسفل وما علق بالمجتمع وسلوكياته من فوضى وأمراض بسبب عصور الإستعمار والحكم الظالم والفساد والإفساد، بل والمساهمة فى تكريس الإعلاء والإحترام لرأى الشعب فليس هناك صواب مطلق أو خطأ مطلق فى الآراء الإنسانية والإجتهادات البشرية وكلما كان دور المثقفين ناجحا وإيجابيا كلما كانت الفترة الإنتقالية قصيرة ومثمرة.  لكن ما يدعو للحزن والأسى أن أسوأ ما فى مرحلتنا الإنتقالية هم مثقفينا ونخبتنا وقاطرة تقدمنا فمعظمهم لاينظر إلا تحت قدميه ولا هم له إلا إثبات صحة رأيه!!.  فبعد عام ونصف من عمر الثورة وبعد ما تحقق من إنتخابات ومجالس تشريعية وبرلمانية وإستعدادات لإنتخابات الرئاسة والإقتراب من تسليم السلطة ماذال كثير من المثقفين يتشبث بمكانه ولم يتحرك عن موقفه منذ الإستفتاء على الإعلان الدستورى ولاهم له إلا إثبات صحة رأيه وخطأ من خالفه وكلما نشأت أزمة وتصاعد فيها الخلاف يصرخ فى وجوهنا ألم أقل لكم أن "لا" فى الإستفتاء على الإعلان الدستورى كانت هى الحق والصواب
وأن من قال "نعم" قد خدع الشعب وسار به فى طريق الضلال لدرجة أننا رأينا الكثير منهم فى البرامج الحوارية وعلى الشاشات يجلس منتشيا مطالبا من قال "نعم" بالإعتزار والإقرار بالخطأ بل ويرتدون نظارة سوداء ولايرون أن هناك شيئا جديدا تحقق بعد الثورة غير الفوضى والفشل فى إدارة المرحلة الإنتقالية وأن الحل كما يقول أحدهم أن نتحلى بالشجاعة والإتساق مع الذات ونعلن فشل مرحلتنا الإنتقالية ونعود لنفتح صفحة جديدة ونكتب فيها تاريخ مصر المستقبل على نظافة.   ومع الإقرار بأن "لا" لم تكن أفضل من "نعم" كما يدعون لأن "لا" كانت تعنى الدخول فى جدال شعبى حول وضع الدستور وحول من يقوم بوضعه فى وقت كان كل فريق يظن أنه الأقوى والأكثر شعبيه وكان من الممكن أن يتحول وينزلق ذلك الخلاف السائل فى المجتمع بدون مؤسسات منتخبة وأروقة برلمانية تحد من تطوره إلى الفوضى وحكم العسكر أو تطويل الفترة الإنتقاليه.  إلا أننا لا نريد أن ننجر وندخل فى صراع عقيم حول الماضى وما كان وصحة "نعم" وخطأ "لا".  لكن يجب أن يتنبه من يقول هذا الكلام أن ماكان ليس صفحة قذرة بل صفحة نظيفة ناصعة من عمر شعب مناضل لايقدر بعض مثقفوه قيمته ولايعرفون عظمة نضاله وليس معنى أن يخالفك الشعب الرأى أن تكون صفحته غير نظيفة.  إن واجبنا الآن أن نبنى لا أن نهدم وقد أصبح لدينا مؤسسات جاءت باختيار الشعب يمكن التعامل معها بالطرق القانونية ووسائل الضغط الفردية والجماعية فى حالة عدم الرضى عن أدائها أو إختياراتها.  إن ما يحدث الآن على الساحة المصرية من جدال وعراك سياسى فى البرلمان ومع الحكومة واللجوء للقضاء وأحيانا للشارع والميدان يدل دلالة واضحة أن مصر قد تغيرت وأنها تتلمس طريقها إلى الحداثة والرقى والديمقراطية بخطى ثابته فهل يكف مثقفينا عن العراك حول الماضى وينتقلوا مع الشعب وبالشعب إلى المستقبل.
د. حسين ياسين الجازوى
أمين عام حزب الوسط بالفيوم