أين أنت يا نحاس؟!

مقالات الرأى

الخميس, 26 أبريل 2012 08:11
بقلم: د. عبدالمحسن حمودة

زعيم الأمة المولود بريف مصر متحلياً بجميل عاداته وحسن تقاليده ضرب أروع الأمثلة بين أقرانه كرجل من رجال القانون وسياسي شارك في صيحة الوفد الأولي وكفاح الشعب المصري ضد الاحتلال الإنجليزي رافعاً لواء حرية واستقلال الشعب داخلياً وخارجياً فضلا عن نضاله من أجل إقامة حياة دستورية سليمة دون أن يأبه بما لاقاه من محن مبتغباً المصلحة العامة دون سواها فاختاره الشعب المصري

مع الوفد الذي انتمي إليه زعيماً مصرياً قومياً ولدوره البارز في إنشاء أول تجمع عربي قومي وهو «الجامعة العربية» كل ذلك وغيره مما سطرته كتب التاريخ وروايات المعاصرين مؤيدين ومعارضين، ويؤكد التاريخ أن زعيم الأمة مصطفي النحاس السياسي والذي أنتهي بوفاته معدوم المال معلوم القيمة وهو ما انجلي أمره من الشعب المصري حال تشييعه إلي مثواه الأخير بعد أن تخلت عنه السلطة قاومت جنازته بالسلاح واعتقال العشرات لمدة عشر سنوات.
كان زعيم الأمة يقيم بمنزل إيجاره الشهري أربعون

جنيها وانتهي بصدور حكم قضائي مشمول بالنفاد المتعجل والجبري بإخلائه لعدم سداده الإيجار لمدة عامين، وتعقدت إجراءات تنفيذ الحكم وأصرت مالكة المنزل علي الإخلاء الفوري، حتي وصل الأمر لرئيس محكمة مصر، الذي جعل الأمر أكثر تعقيداً بقوله: «تقطع يدي لو قمت بتنفيذ هذا الحكم، وفي ذلك الوقت اتضح أن رصيد زعيم الأمة في بنك مصر بعد وفاته عند تركه لمنصب القضاء ليتبوأ سكرتارية الوفد إبان ثورة 1919 كان 19 جنيها شهرياً يعول بها شقيقته وأطفالها التسعة وبعد الانقلاب العسكري في يوليو 1952، أرسل له الرئيس عبدالناصر 300 جنيه معاشا شهرياً، رفضها زعيم الأمة فاستبدلها عبدالناصر براتب رسمي علي رصيد معاشات الدولة، وهو راتب ضئيل.
ومعروف عن الزعيم النحاس أن شخصيته كانت بعيدة عن الاستعلاء أو الانتقام أو الثأر
وبعيدة أيضا عن سلوكيات العنف وإهانة الغير.
وكان الزعيم يتصف بالرأفة ورقة القلب والمشاعر، وفي أحد تنقلاته بالقطار بعد إلغائه معاهدة 1936 زائراً عواصم المحافظات من القاهرة للإسكندرية.. وفي عربة مكشوفة كانت الجماهير والشباب يصطفون علي امتداد القطار، وتصادف أن زاحم أحد الشباب ومد يده مصافحاً الزعيم بينما تحرك القطار تاركا محطة طنطا، فصاح الزعيم هائجا مرتاعا بصوت غاضب حتي توقف القطار وانقذ الشاب.
وزعيمنا ساهم في إرساء العديد من المفاهيم الاجتماعية، والليبرالية داعماً كل الايجابيات الرامية إلي التبسط وخصوصاً ابتداء من عام 1936 بعد أن حصل الوفد علي الأغلبية في انتخابات البرلمان حيث اختار الزعيم لرئاسة مجلس النواب أحمد ماهر أفندي ولمجلس الشيوخ محمود بسيوني أفندي، واستمرت الزعامة الوطنية والاجتماعية علي هذا المنوال في كافة الوزارات.
ولم ينس الزعيم النحاس ألا ترتقي مكانة أو هيبة «الوزير الأفندي» - بغيره من ذوي الألقاب ليسبغ عليهم لقب باشا مستخدما الحيلة مرة، والكياسة واللياقة حينا آخر.
مثلما حدث عندما تولي عبدالمجيد عبدالحق أفندي منصب الوزير أن ناداه «النحاس» لحظة حلف اليمين في حضور الملك فاروق قائلاً له:
«تفضل يا عبدالحميد باشا» وهذا دفع الملك بمنح الوزير لقب «باشا».
د. عبدالمحسن حمودة
رئيس الطليعة الوفدية