رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

في مدرسة الدكتور عاطف العراقي كانت لنا أيام

مقالات الرأى

الأحد, 22 أبريل 2012 09:18
بقلم- د. جمال رجب سيدبي

رحل عن دنيانا العالم الجليل الدكتور عاطف العراقي في التاسع والعشرين من شهر مارس 2012، ودع الدنيا الفانية إلي عالم الخلود والبقاء، عاش عاطف العراقي في صومعته الفكرية طوال حياته، كان أنيسه وجليسه حياة الفكر والمفكرين عاش حياة حافلة بالجد والعطاء منذ نعومة أظفاره إلي أن بلغ من الشهرة والذيوع والانتشار سواء في مصر أو خارجها،

وما أجدرنا أن نتأمل في حياة الرجل، فقد وهب نفسه ووقته للعلم والتعليم ظل يؤدي واجبه حتي الرمق الأخير، حتي آخر لحظات عمره، فقد كان يحاضر في معهد الدراسات الإسلامية بالمهندسين بين طلابه ومريديه، وأثر الانتهاء من المحاضرة وكان يحتسي كوبا من الشاي جاء أمر الله «وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت»، حقا إنها كرمة العلم والعلماء فقد كانت نهايته في اباء وشموخ، كما عاش معتزا بنفسه طوال حياته، وفيما نعتقد أن ما حدث في وفاته نعمة كبري من الله سبحانه وتعالي علي راحلنا الكريم في وفاته جزاء وفاقا، كما يقول ربنا «وما ربك بظلام للعبيد».
يمثل عاطف العراقي مدرسة فكرية خصبة، التقت في جنباتها كافة الآراء والثقافات فمن يطلع علي حجم وعدد رسائل الماجستير والدكتوراه يشعر بالفخر والفخار لهذا الاستاذ الذي استطاع بأستاذيته الحقة أن يفجر الطاقات الإبداعية في نفوس تلاميذته في كافة الموضوعات حول الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام والتصوف الإسلامي والفكر المعاصر وفلسفة العلوم، وفي مدرسته كان الطالب التنويري والسلفي والوسطي والعقلاني، لقد أشرف علي طلابه في مختلف الاتجاهات الفكرية، وكان مؤمنا بحرية الرأي والفكر، ولم يصادر ولم يهاجم رغم منهجه الذي يؤمن به ويدافع عنه.
لقد قام الراحل الكريم بالتقديم لي لرسائل الإمام الجنيد التي قمت بتحقيقها ونشرت في سوريا بمقدمة ناصعة تدل علي إيمان الأستاذ بقيمة العلم رغم اختلافه مع منهج الصوفية، فكما هو معلوم هو من أشد المؤمنين بعقلانية ابن رشد ومن أشد المهاجمين لصوفية الغزالي، ورغم ذلك قدم لهذا العمل العلمي الخاص بي بمقدمة مستفيضة يعجز أشباه الدارسين عن الاتيان بمثلها، وكان من حسن حظي أن حصلت

علي جائزة الدولة التشجيعية عن هذا العمل من المجلس الأعلي للثقافة بمصر عام 2010 ولله الحمد والمنة.
فكم من أناس أحياء وهم أموات، وكم من أموات وهم أحياء، وأظن أن عاطف العراقي ينتمي إلي الفريق الثاني، سيظل عاطف العراقي خالدا بفكره ومؤلفاته سيظل خالدا بما قدم من عطاء وإخلاص لتلامذته ومريديه، لقد ضرب أروع الأمثلة في الأستاذية الحقة وفي وفائه لاساتذته وأصدقائه ومريديه، لم يضن يوما علي تلامذته بنصيحة أو إرشاد، بل كان محباً لكل من اقترب من روحه بصدق واخلاص، صحيح أننا لا ننكر أن قيمة الوفاء أضحت قيمة نادرة في زمن عز فيه الوفاء حسبك يا دكتور عاطف في مثواك الأخير تلامذتك من الذين عرفوا معروفك وجميلك حسبك مآثرك في نفوس الأوفياء والذين يذكرون لك جميل صنعك.
لقد كان العراقي مثالاً يحتذي في أستاذيته، وكم من مواقف وذكريات مع فقيدنا العزيز، لقد رافقته منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً بعشرة طيبة، لقد التقيت به إثر توصية من أستاذنا الجليل الدكتور ابراهيم بيومي مدكور، رئيس مجمع اللغة العربية آنذاك، وفي نفس الوقت عرفني الدكتور العراقي بأستاذتنا الدكتورة زينب الخضيري، والتي قامت بالإشراف علي هي والدكتور مدكور في كلية الآداب جامعة القاهرة، كنا نشعر أن وراء ظهورها هرماً شامخاً في الأحداث والملمات، وحسبنا أن هذا قضاء الله وقدره «ولكل أجل كتاب».
كان عاطف العراقي كالنحلة يمتص من كل بستان زهرة، وكانت بساتين الرجل كثيرة فقد عاش حيناً من الدهر مع ابن سينا فيلسوف المشرق العربي الكبير، وكما عاش مع ابن رشد فيلسوف المغرب العربي الكبير وكما يقول - حدث ذلك بنصيحة أستاذ الدكتور الأهواني - من أنه لابد أن يجمع بين فلاسفة المشرق والمغرب.
لقد كان عاطف العراقي يتمتع بأسلوبه السهل الممتنع مثل أسلوب عمالقة
الفكر مثل طه حسين كان في لغته يجمع بين اللغة الفلسفية والأدبية بصياغة فريدة منقطعة النظير، فمن يقف علي كتابه الميتافيزيقا عند ابن طفيل؟، يشعر بالدهشة والعجب، فأني لهذا الرجل أن يستخلص من قصة فلسفة «حي بن يقطان» ويقدمها كمذهب فلسفي متكامل بمقدمة رائعة تنم عن ثقافة مستوعبة لتاريخ الفكر الفلسفي كلها، حقاً لقد كان العراقي مخلصاً للحقيقة الفلسفية إخلاصاً بغير حدود.
اشتركت مع راحلنا الكريم في مناقشة رسالة بمعهد الدراسات الإسلامية عن المجاهدة عند الصوفية في القرنين الثالث والرابع الهجريين وكانت معي زميلتي الأخت العزيزة الدكتورة رجاء علي الأستاذة بآداب القاهرة للباحثة إيمان وكنت معجباً بمجهود الطالبة في هذا العمل العلمي وقد سألت أستاذنا العراقي كيف تكتشف شخصية التلميذ الجاد أمثال هذه الباحثة، فأجابني رحمه الله - هناك وسائل عديدة للتأكد من ذلك يا جمال لا يمكن أن تصنع من الفسيخ شربات!! حقاً كما قلت أنفا انهاً عبقرية الأستاذ الذي يعرف امكانات تلميذه الفكرية، وكما قلت في بداية العرض ويستطيع بمهارة واقتدار أن يفجر طاقاته الإبداعية.
رغم هذه الشهرة التي حققها عاطف العراقي في ميدان التخصص الدقيق أو في الميدان العام، القضايا الفكرية والتراثية والتنويرية والمساهمة في قضايا المجتمع، لم يسلم العراقي من سهام الحساد والغيورين وكما يخبرنا النبي صلي الله عليه وسلم، كل ذي نعمة محسود، ورغم مواقفه الفكرية الصلبة في كافة القضايا التي خاضها إلا أن الحقيقة التي يدهش لها المرء أن خصومه بالأمس قد سكبوا الدموع أيضاً لفراقه وكأنما استشعروا أن هذا الهرم الشامخ الذي يحرك نفوسهم نحو العمل الدءوب والرقي النجاح. قد أسلم لربه وسيواريه التراب!! إن الظواهر التاريخية لن تتكرر وكما قال الدكتور فؤاد زكريا عن عاطف العراقي في مقدمة كتابه التذكاري عن راحلنا الكريم إن عاطف العراقي ظاهرة لن تتكرر في إيمانه بالقيم والمثل العليا في انضباطه في موعده والتزامه وفي كرمه وبشاشة وجهه، لقد قدم عاطف العراقي جل وقته للحقيقة، وعاش متأملا فيها، عاش للناس وبالناس - في زمن ظهرت فيه الأفاعي وصغار النفوس من كل حدب وصوب - انطفأت الشمعة المضيئة والنفس الحانية وسقط القلم في لحظة فارقة ولكن عزاءنا في الشموع الصغيرة التي تركها من بعده، ومن جد وجد ومن زرع حصد، ولابد لهذه الشموع الصغيرة أن تشب عن الطوق يوما، وإن كان العراقي قد فارق الدنيا بجسده فستبقي شموعة الصغار لآلئ تنير الطريق للباحثين عن الحقيقة في كافة أرجاء المعمورة «إنا لله وإنا إليه راجعون».. ورحم الله فقيدنا رحمة واسعة، اللهم آمين.

أستاذ الفلسفة الإسلامية - رئيس قسم العلوم الاجتماعية
جامعة قناة السويس