أحلامى لمصر.. مرة أخرى

مقالات الرأى

الأحد, 22 أبريل 2012 08:59
بقلم / د. صديق عفيفى

سوف يحاسبنا الله على ما نقول. هذا واضح، أما غير الواضح للكثيرين أنه سبحانه وتعالى سيحاسبنا على ما لم نقله، وكان يجب أن نقوله. وهذا ما دعانى اليوم للتحدث مرة أخرى عن أحلامى بالنسبة لمصر وهى كثيرة.

الكل مشغول بالبكاء على المسار الذى تطورت إليه الحياة السياسية فى مصر، الخبراء يتباكون والمصريون مذعورون.. مذعورون من المستقبل، ولا أرانى معهم فى هذا الذعر، فكل الأوراق جار ترتيبها، وأياً كان ذلك الترتيب ففى النهاية ستكون هناك حكومة ورئيس ودستور، وسنتعاون معهم إلى أن يتبين مستوى أدائهم، وما دام صندوق الانتخابات موجوداً، فالتغيير وارد لنصحح المسار.. وشهور أو سنوات قليلة فى عمر الثورات ليست بمدة طويلة لإتمام التحول.
دعونا ننشغل بعض الوقت بأحلامنا للمستقبل. لقد ملّ الناس من التحدث فى السياسة، ومن التخمين، ومن التحليل ورسم السيناريوهات البديلة. وأصبحت المفاجآت تطل عليهم بتتابع غريب.. وكل ذلك سنتحمله ونعطى الفرصة لعل من يتولى يكون قادراً على إحداث التحول وتحقيق الحلم.
وأنا هنا أساعده بتقديم تصوّر أو رؤية أطلب منه أن يتبناها فى عمله لوجه الله والوطن.. كفانا عشوائية، وكفانا تولية الهواة والمحاسيب ليتعلموا فينا ويشوهون مستقبلنا، إذا لم يكونوا مغيبين من الأصل.. لقد كانت أغلب الاختيارات فى قيادات العمل التنفيذى غير موفقة للأسف خلال المرحلة الانتقالية، ولا نريد أن نستمر فى هذه التجارب الفاشلة.
إن رؤيتى لمصر المستقبل أن تكون
دولة متقدمة وقوية ينعم فيها الجميع بالحرية
والديمقراطية والرخاء ويسودها العدل. دولة تفرض
مكانتها وهيبتها إقليمياً وعالمياً
فهل هذا الحلم ممكن التحقق؟ وإجابتى القاطعة والفورية «نعم بكل تأكيد» لقد حققت

دول كثيرة أحلاماً مشابهة فى غضون سنوات قليلة رغم أن ظروفها كانت أسوأ من ظروفنا، وأزيد على ذلك أن دولاً كالبرازيل أو تركيا أو ماليزيا أو الأرجنتين كانت ظروفها حتى وقت قريب سيئة للغاية، وبعضها كان على شفا الافلاس ومعدلات التضخم بها كانت صاروخية، ومعدلات الأمية أحياناً أعلى من مصر، وأحوال التعليم أحياناً أسوأ من مصر. ومواردها تتسم بالفقر الشديد أو النسبى إذا قورنت بموارد مصر.. ما المشكلة عندنا إذن؟
المشكلة أن مصر يتولى شئونها الرجال «الغلط» من زمن ليس بقريب، ولسوء الحظ ساهم الاستبداد وعجز القيادات فى وأد الأفكار الجريئة والأحلام الكبيرة وإقصاء أصحاب الأفكار والأحلام الجريئة والكبيرة.. هذه هى الحقيقة التى يجب أن نعترف بها ونتحرك على هذا الأساس.
وإذا كانت ثورة 25 يناير قد حققت أشياء عظيمة فمن بين هذه الأشياء امكانية العناية باختيار القيادات والمسئولين بعيداً عن سلّة المحاسيب وشلّة الأصدقاء والمعارف. إن أهم ما يميز الدولة الديمقراطية هو أن نحسن اختيار القيادات، ونجتهد فى محاسبتهم ثم مكافأتهم أو عزلهم وفق أدائهم.
هذه هى الميزة الكبرى التى يمكن أن تحوّل مجتمعاً متخلفاً إلى مجتمع متقدم خلال فترة معقولة من السنوات.
ونلاحظ دائماً أن القيادة المتميزة بالكفاءة والفاعلية تميل إلى اختيار المعاونين من نفس المستوى، فالضعفاء فقط هم الذين يختارون الضعفاء، والجهلاء فقط هم الذين يختارون الأشد
جهلاً، فتستمر الخطايا ولا أحد يحاسب أحداً، بل يتندر الناس بأن فلاناً كان سيئاً فأخذ «شلوت لفوق» فيصير الأمر كما لو كنا نكرّمه على سوء أدائه، ويتحاكى الناس بأن وظيفة وكيل أول وزارة التعليم مثلاً خلت بتقاعد شاغلها فيتم تعيين فلان الفلانى كتكريم له فى آخر ستة شهور من الخدمة قبل الإحالة للمعاش. والنتيجة أن المركز القيادى الكبير أصبح هدية نكرّم بها المتقاعدين وليس وظيفة خطيرة نعين فيها من يقود العمل التنفيذى إلى الأفضل.
كنت دائماً أقول، وما زلت أقول، إنه ليس المهم فقط أن يكون لديك وضوح للرؤية بشأن ما تهدف إليه، وإنما أيضاً أن تحسن اختيار فريق العمل الذى يعاونك فى العمل لتحقيق تلك الرؤية.
إن العاجزين وقليلى الكفاءة لا تنتظر منهم أن يقودوا عملا إلى الأفضل، والمرتعشين الخائفين لا تنتظر منهم تبنى أى حلم جرىء.. إنهم سيمشون «جنب الحيط» ويحولون وظيفتهم إلى مكتب علاقات عامة لترتيب توزبع المناصب كهدايا أو لتربيط العلاقات التى ستفيدهم فى مستقبل الأيام عندما يتركون المكان.
ابدأ بالشخص الكفء القوى صاحب الأحلام الجريئة وتكون فرصك أفضل فى أنه سيختار القيادات التالية له من بين الأقوياء والأكفاء ذوى الأحلام الجريئة.
مصر ليست دولة فقيرة فى مواردها.. مصر دولة غنية بمواردها ولكن العجزة لا يرون الصورة الكاملة، وينشغلون بالتفاصيل الصغيرة وبعض الانجازات السريعة، ولا يجرأون على أن يتبنوا مشروعاً شاملاً للنهضة، مشروعاً ينطلق من مواردنا الوفيرة.
مصر غنية فى السكان، غنية فى العلماء والباحثين، غنية فى الأراضى بامتداد الحدود كلها، غنية فى المناخ الطيب، غنية فى الموقع وسط الدنيا، غنية بحضارتها وتراثها وتجاربها، غنية فى آثارها وتاريخها، غنية فى سواحلها وجودة شواطئها، غنية فى ثرواتها المائية والسمكية، غنية بخبراتها السياسية وإنجازاتها، غنية باستقرارها الاجتماعى وتجانس شعبها.. غنية فى كل شىء لو أدركنا الحقيقة، وشاهدنا كامل الصورة، وأحسنا إدارة البلاد وأعنى إدارة اقتصادية وأيضاً إدارة سياسية.
آخر سطر
لن أكف عن الحلم أبداً... ولو خالفنى كل الناس

بقلم / د. صديق عفيفى

[email protected]