رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مصطفي النحاس: الدين والعلمانية دعامة الوحدة الوطنية

مقالات الرأى

الخميس, 12 أبريل 2012 09:33
بقلم: د. عبدالمحسن حمودة

بينما كان «نهرو» زعيم الهند في طريقه إلي مصر أبلغ نظامها العسكري الحاكم حينئذ بأنه سيقوم بزيارة زعيم الأمة مصطفي النحاس بمنزله فلما اعترض النظام العسكري علي زيارته للزعيم النحاس قام «نهرو» بإبلاغهم بأنه يلغي حضوره إلي مصر أصلاً، مما اضطر الحاكم العسكري في مصر إلي الموافقة علي زيارة «نهرو» للزعيم النحاس الذي يعتبره «نهرو» زعيماً له كما كان يعتبر سعد زغلول زعيماً له أيضاً.

وخلال حديثهما قال النحاس لـ «نهرو»: الآن نشأت الجهمورية التي أرجو الله أن يوفق رجال الجيش في أن تكون جمهورية مدنية علمانية وأنا أعرف أنك صديقهم فأرجوك أن تقول لهم: الضمان لما يريدون من إصلاح هو أن تكون الجمهورية علمانية ديمقراطية لأنني أكره الحكم الديكتاتوري العسكري.
جدير بالذكر هنا أنه بينما كان النحاس رئيساً لإحدي حكوماته الخمس التي أقيل منها جميعاً بانقلابات دستورية أعلن أن الإسلام لا يعرف سلطة روحية وليس بعد الرسل وساطة بين الله وبين عباده فلا معني إذاً للاحتجاج في هذا الشأن بأن دين الدولة هو الإسلام.
ومن هنا قامت قضية الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط التي من أجلها كان انبهار الزعيم غاندي بسعد زغلول و«نهرو» بمصطفي النحاس لأنهما دعما قضية الوحدة الوطنية بين طرفي الأمة في مصر، الأمر الذي عجز عن تحقيقه «نهرو» و«غاندي» في الهند.
كما قام زعيم الأمة مصطفي النحاس بإلغاء معاهدة 36 رافضاً مشاريع الدفاع المشترك الرباعية المقترحة من بريطانيا وأمريكا وفرنسا وتركيا، وهو الأمر الذي ظلت بريطانيا متمسكة به حتي تم

إلغاء المعاهدة من طرف واحد، أي من مصر.. وقامت المخابرات الإنجليزية من خلال عملائها «جماعة أنصار الحرية» بحرق كنيسة مدينة السويس مما أدي إلي إحراج الحكومة الوفدية حينئذ، وزارها مصطفي النحاس وعرض علي رئيس الكنيسة بأن تقوم حكومة الوفد بإعادة بنائها بتكاليف تتحملها الدولة، ولكن رئاسة الكنيسة تمسكت بإعادة بناء الكنيسة علي حسابها، وأطلقوا علي الكنيسة اسم الشهيد مارجرجس، وأكد مطران الكنيسة آنذاك أنه سيتم توحيد كافة الفدائيين الإسلاميين والأقباط لمواجهة ومحاربة الإنجليز وهكذا نجح زعيم الأمة مصطفي النحاس في بعث همم المصريين جميعاً فرادي وجماعات.
وتتمثل الوحدة الوطنية في قيام وزارة الداخلية بالإعلان عن حاجتها إلي 17 موظفاً تجري بينهم مسابقة لاختيار الأفضل للعمل بالوزارة، ونجح في المسابقة 40 مواطناً، ولكن لم تعلن نتيجة المسابقة مما دعا بعض الفائزين للتقدم بشكوي، الأمر الذي علم به الزعيم النحاس، فدعا المسئول عن تأخير إعلان النتيجة، وبسؤاله أجاب بقوله: إن عدد الفائزين الأوائل بلغ 17 فائزاً بينهم 12 قبطياً.. فغضب زعيم الأمة، وواجه مدير الإدارة بقوله: كيف تقول هذا؟.. الناجحون أليسوا مصريين مستوفين للشروط، فكيف تقول هذا وأنت في حكومة الوفد.. ووقع زعيم الأمة علي قرار تعيين الـ 17 بالترتيب وأعطي دروساً وطنياً سلوكياً لمدير الإدارة المسئول، ووقف زعيم الأمة ضد
من يستهين بالوحدة الوطنية مهما بلغ مركزه.
وفي موقف آخر علم مصطفي النحاس أن أحد وزراء الحكومة الوفدية وهو د. كامل صدقي ينحاز للأقباط، فكاد أن يوقع عليه الجزاء، إلا أنه رأي الاجتماع به، فاستدعي كامل باشا صدقي وتأكد الزعيم أنه يتعصب بالفعل لصالح الموظفين الأقباط في وزارته، وعندما واجهه النحاس لم يسترح لإجابات وزير المالية ولم يستحسن مراوغته أو توسيع دائرة التمييز بين المسلم والقبطي ومنها تعصبه للموظفين الأقباط في الترقيات وغيرها من الأمور، ففكر الزعيم فوراً في إنشاء «ديوان المحاسبات»، كما ضرب زعيم الأمة مصطفي النحاس مثالاً آخر في مهاجمه التمييز المعنوي أو الفكري عندما كان التقليد سائداً بإرسال ما يسمي بـ «المحمل» إلي الأراضي المقدسة أثناء تأديه فريضة الحج، وكان ذلك إبان وزارة زعيم الأمة الأولي التي لم تستمر في الحكم أكثر من مائة يوم، وكان التقليد أن يقوم أقدم ضابط لواء بالجيش المصري لتسليم قيادة جمل المحمل لأيدي المسئول عن بعثة المحمل، وتصادف أن هذا الشرط ينطبق علي لواء قبطي الديانة، وتفادياً لهذا الإحراج لجأ المسئولون إلي الزعيم النحاس وقالوا له: إن أقدم ضابط برتبة لواء الذي ينطبق عليه شرط تسليم المحمل تبين أنه قبطي.. فاندهش زعيم الأمة وبدا علي ملامح وجهه شيء من الغضب، وقال: لا فرق بين قبطي ومسلم في هذا الأمر وليقم اللواء القبطي بهذه المهمة.
وإبان حكومة الوفد الرابعة التي خرج منها ومن الوفد مكرم عبيد باشا، رغم الخلاف الخطير بين زعيم الأمة ومكرم عبيد الذي كان يتولي منصب سكرتير عام الوفد، إلا أنه لم يخرج معه سوي عدد قليل جداً من الأقباط، وبقي جموع الأقباط في الوفد يعملون داخل صفوفه، وبقي جمهور الوفديين الأقباط، مما يوضح إلي أي حد تعلو مبادئ الوحدة الوطنية علي الطائفية والتعصب والانتماء الديني في الوفد الذي كان يقوده سعد زغلول والنحاس.

-----------

بقلم: د. عبدالمحسن حمودة

رئيس الطليعة الوفدية