رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

القضاء المصري بين الواقع والمأمول

مقالات الرأى

الأربعاء, 21 مارس 2012 08:28
بقلم- صابر نعمان

إن القضاء هو الركن الركين والركيزة الأساسية لأي مجتمع يرغب في التقدم والرقي والمتتبع لتطور نشأة الدولة بمفهومها الحديث يدرك للوهلة الأولى أن الحاجة للقضاء العادل سبقت حتى الحاجة لتكوين الدولة ذاتها «فالعدل أساس الملك» أي أنه سبق الملك نفسه ومهد لاستقراره وبقائه.

ولا عجب في ذلك فإن الله سبحانه جل شأنه وتقدست أسماؤه قد اتخذ من العدل اسماً له.
وإن أول خطوة نحو الاصلاح الحقيقي المنشود لهذه المنظومة القضائية في وطننا الغالي لهي الاعتراف بمواطن الخلل فلا يمكن لطبيب مهما بلغت مهارته وحرفيته أن يعالج مريضاً ينكر داءه ويستعصي على علاجه.
نعم أفسد النظام السابق جميع أركان الدولة وسلطاتها حتى أصبح جسد الأمة المصرية وقد نخره السوس من كل جانب وتكاثرت عليه الآفات من كل اتجاه وكانت أدواته في ذلك عديدة:
< من تشريعات تكرس لتغول السلطة التنفيذية على جميع سلطات الدولة التشريعية والقضائية وتجمع جميع السلطات في يد رئيس الدولة وكما هو معلوم السلطة المطلقة تساوي مفسدة مطلقة.
< اختيار قيادات سلطات الدولة بمبدأ الولاء وليس الكفاءة الأمر الذي أدى بجميع مؤسسات الدولة إلى مقبرة الفساد.
< إنشاء هيئات عديدة تتنازع بينها الاختصاصات ويعطل بعضها بعضاً بما يخدم مصالحه هو فقط لا بما يعود على الشعب بالنفع والخير تخبط واضح ما ظني إلا أنه متعمد.
< قيادات طاعنة في السن لا رغبة لديها في الإصلاح أو التطوير وكأن الأمة عدمت شبابها.
ونخص بالذكر بالنظام القضائي فلم يسبق في النظام القانوني أو القضائى  العالمي القديم أو الحديث أن قامت دولة بها خمس هيئات قضائية وثلاث محاكم عليا بهذه الأمور.
وفجعت لما شاهدت أحد البرامج الفضائية كان ضيفاه محامياً بالنقض والآخر مستشاراً بهيئة قضايا الدولة، ولبد الجو بالغيوم لما غاب المحامي على تلك الهيئة قيامها بتعطيل احكام القضاء عن طريق اشكالات التنفيذ أمام محكمة غير مختصة، وهالني أنه ذكر قيامها بقيد هذه الاشكالات بعد مواعيد العمل الرسمية للمحاكم وهنا ثارت في ذهني تساؤلات عديدة.
< هل تملك هيئة قضايا الدولة مفاتيح المحاكم وسجلاتها حتى تقيد اشكالات في تنفيذ الاحكام

القضائية بعد مواعيد العمل الرسمية أم أن هذا يتم بأمر من رئيس المحكمة الابتدائية الذي كان يعينه وزير العدل بمعيار الولاء أيضاً؟!
< وهل أجبرت تلك الهيئة القاضي الذي نظر هذا الاشكال على أن يؤجله إلى جلسة ما بعد اعلان نتيجة الانتخابات حتى يتمكن سيد قراره من وأد حكم القضاء بالرغم من علم القاضي بخروج هذا الاشكال عن ولايته القضائية؟!
< وهل أجبر مستشارو مجلس الدولة المنتدبون لدى الجهات الادارية المختلفة على تمرير عقود خصخصة وبيع شركات الدولة ومصانعها تلك العقود التي أبطلها قضاء مجلس الدولة مؤخراً.
< ناهيك عما حدث في انتخابات 2000 و2005 من مخالفات من بعض القضاة وللحق كان القضاة الشرفاء لها بالمرصاد بكل ما آتاهم الله من قوة إلا أن بطش النظام لاحقهم آنذاك.
والفاجعة الكبرى والطامة العظمى «قضية التمويل الأجنبي» أقصد فضيحة التمويل الأجنبي واسمح لي أيها القارئ الكريم بأن أتوقف عندها للحظات.
لقد سرت في عروقي دماء الفخر والإباء لما سمعت كلمات الجنزوري «مصر لن تركع» وظننت وقتها أن المارد المصري قد بعث للحياة من جديد واستحضرت روح هذا المارد الذي تكسرت على صلابة صخوره سيوف ورماح الغزاة منذ فجر التاريخ وطالعت كاريكاتير الأستاذ مصطفى حسين يصور العم سام رمز أمريكا، وهو يقف مرتعداً امام هذا المارد ممسكاً بمسدس صغير مكتوب عليه المعونة الأمريكية ويقول المصري «بيهددني بمسدس» وأخرج مدفعاً ضخماً مكتوباً عليه الكرامة وأفقت من حلمي وإذا بالخيبة والعار يلحق بنا وبقضائنا في فضيحة هي من إفرازات هذه القيادات المهتزة التي خلفها النظام البائد ولا أخفى سراً إذا قلت أنني مازلت أعاني وسأظل أعاني من أثر هذه الصدمة طويلاً.
إن المنظومة القضائية تحتاج إلى زلزال عنيف واجراءات غير اعتيادية حتى تنقي نفسها مما ألحقه بها النظام السابق
من عوار، نجملها في الآتي:
أولاً: خفض سن التقاعد إلى الستين كباقي وظائف الدولة للتخلص من فريق قيادات فوق السن الذي أورد مصر موارد الهلاك وجعلها أمة عجوزاً لا  تقوى على الحراك.
ثانياً: دمج الهيئات القضائية «قضايا الدولة - والنيابة الادارية» في الفضاء لتحقيق عدالة سريعة ناجزة.
إن هاتين الهيئتين تضمان سبعة آلاف كادر قضائي وما يربو على ثلاثة عشر ألف كادر اداري تهدر أكثر من ملياري جنيه سنوياً بلا أي عائد على أبناء هذا الشعب.
ألا يجدر أن يستفاد بهذه القوة البشرية الهائلة وهذه الموارد الضخمة فيما يعود على أبناء الوطن بالنفع في الحصول على قضاء عادل سريع؟ خاصة وبالنظر إلى أن أعضاءهما عينوا بذات أداة تعيين القضاة وبذات الشروط خاصة أن تياراً كبيراً من القضاء «تيار الاستقلال» هو صاحب هذه الفكرة وينادون بها في جميع المحافل والمؤتمرات.
ثالثاً: تعديل قانون السلطة القضائية بما يؤسس لاستقلال القاضي استقلالاً تاماً في ممارسته لعمله ولا يضحي لكائن من كان رقابة عليه الا ضميره حتى لا يتأثر بأي املاءات أو ضغوط وجمع جميع شئون القضاء بيد مجلسه الأعلى وبمعزل عن السلطة التنفيذية.
رابعاً: إلغاء جميع الأجهزة التي تمارس اختصاصاً قضائياً خارج منظومة القضاء «اللجان الادارية ذات الاختصاص القضائي - جهاز الكسب غير المشروع».
خامساً: إلغاء جميع صور الندب لدى الجهات الادارية المختلفة للدولة لتحقيق الاستقلال التام للقاضي في تكوين عقيدته عند الحكم في الدعوى وتوفيراً للميزانية التي هالني تقرير عنها يفيد بإهدار عشرين مليار جنيه سنوياً على مكافآت مستشاري الجهات الادارية «منهم قضاة وغيرهم».
سابعاً: اعتماد التخصص في القضاء تحقيقاً لاجادة العمل وسرعة الفصل في القضايا وهذا لا يتأتى الا بزيادة أعداد القضاة زيادة ملحوظة.
«قضاء مدني - جنائى - تجاري واقتصادي - أسرة......»
ثامناً: انشاء اكاديمية القضاء ولا يقبل تعيين قاض مباشرة دون انتسابه إليها واجتيازه اختباراتها.
تاسعاً: انشاء الشرطة القضائية تتولى تنفيذ احكام القضاء وتأمين مقرات المحاكم والاشراف على السجون والمؤسسات العقابية المختلفة ولتكن نواتها جهاز الرقابة الادارية لما يملكه من امكانات ومعلومات وكفاءات.
إن ما سبق جميعه يحتاج من المجلس التشريعي ان يضطلع بمهامه دون نظر الى مصالح فئة أو جهة بعينها فقد انتخب الشعب نوابه حتى يحققوا آماله في دولة العدل وسيادة القانون لا لأن يشاهدهم يتصارعون على شاشات التلفاز يومياً بلا طائل.
نحتاج الى حزمة من التشريعات التي تضمن بناء حصن القضاء المنيع الذي يستعصي على  الحاكم اختراقه ويلوذ به المحكومون طالبين الحماية من البطش والظلم والطغيان.
«فلنبن معاً قلعة العدل فالله يمكن للأمة الكافرة العادلة ولا يمكن للأمة المسلمة الظالمة».

------

بقلم- صابر نعمان

المحامي بالنقض
عضو الهيئة العليا للوفد