رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حديث ذو شجون

«عاطف العراقي» في أيامه الأخيرة!

مقالات الرأى

الجمعة, 09 مارس 2012 09:42
بقلم- د.سعيد اللاوندي

غيب الموت أستاذ أساتذة الفلسفة في عالمنا العربي الدكتور عاطف العراقي عن عمر يناهز الـ 77 عاماً، وكان يرحمه الله اختار أن يجلس في صومعته - أقصد بيته - إلا المرة الأخيرة التي لفظ أنفاسه فيها أمام تلامذته عندما أصر أن يلقي محاضرته الأخيرة،

وكان قبل أيام من رحيله يتصل بي ليخبرني أن زوجة أستاذه زكي نجيب محمود قد رحلت في يوم مولد زوجها دون أن يدري بها أحد.. وخلته يبكي علي الرحيل المفاجئ للدكتورة منيرة حلمي التي كانت نعم الزوجة، وفية له ويفكره.. ولم تحاول أن تنغص عليه حياته بإنجاب الأولاد.. فلقد اتفقا معاً علي عدم الإنجاب وكان لهما ما أرادا.
رحل عن دنيانا الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بفكره العقلاني حيث كان يعتبر نفسه حفيداً مخلصاً لابن رشد، يكتب عنه ويحضر المؤتمرات وخصوصاً في المغرب التي كانت تلتئم حوله.
والحق أن عاطف العراقي قد حاول أن يتوفر علي الوقت اللازم وكتب كل واردة وشاردة في حياته وترك لنا مجلدات ضخمة عن حياته منها عندما وقف أمام محكمة المنصورة متهماً بشأن ابن رشد!
وكان يقول: إنها المرة الأولي التي يقف فيها أستاذ فلسفة في العصر الحديث أمام قاضي التحقيقات لأنه يكتب عن ابن رشد.. فكأن لعنة

هذا الفيلسوف العظيم قد لحقت به، وللانصاف كان عاطف العراقي يسعد بذلك، وتسعد عندما يصفه أحد تلاميذه بأنه آخر الموسوعيين.. وهذا حق فالرجل - يرحمه الله - كان وفياً لما يقول.. وعندما كتب - كتاباً تذكارياً - عن زكي نجيب محمود كان مخلصاً لدعوته الخاصة بالعقل والعقلانية، صحيح أنه لم يكتب لنا قصة عقل أو قصة نفس كحال أستاذه زكي نجيب محمود وعندما تحدث مع الإعلامي البارز أحمد المسلماني في التليفزيون عن معلميه وأساتذته، كما لم يكن يترك مناسبة تمر إلا ويتكلم عن معبوده ابن رشد حتي ظنه البعض مؤسس الرشدية الجديدة في مصر.
لكن الراحل كان يعاني في آخريات أيامه من أشياء كثيرة وكان يقول - شاكياً - إن أمراض الدنيا قد تكالبت عليه، وهو يأخذ أدوية من كل صنف حتي أنه كان يشك في جدواها، حيث قال لي: إنه يشك في مفعول هذه الأدوية التي يبدو أنها لا جدوي لها علي الإطلاق.
وعندما حدثته في أمر صومعته التي يكتب فيها ويعتز بها قال لي: إنني مدعو إليها ولكن
بعد أن يتعافي من مرض العضال.
لكن يبدو أن المرض لم يترك له المناسبة وهجم عليه وهو يحاضر وينطق بآخر كلماته أمام جمع غفير من مريديه.
لقد رحل عاطف العراقي.. هذا صحيح، لكن دعوته للعقل مخلصاً تظل أبد الأبدين بيننا، لذلك فالرجل غاب عنا بجسده النحيل لكني دعوته القوية وتمسكه بالعقل - للحظة أخيرة - سوف تظل نبراساً لنا نهتدي بهديها فأوسعنا إلي ذلك الطريق العلمي الذي نهده.
وأذكر أن مسقط رأسه، ومثقفي شربين قد تذكروه في اللحظات الأخيرة فقد دعاه الفنان القدير مسعد غيث والتف حوله شباب كثيرون وجاءوا به إلي مسقط رأسه في كفر الدبوس.
وتحدثوا عنه واستمعوا إليه وسلموه جائزة الإبداع التي تحمل اسم ساقية الصاوي في شربين، وكان يرحمه الله سعيداً وهو يركب الحنطور من ميدان المحطة إلي نادي المعلمين حيث كرمه شباب شربين وحدثوه عن محاكمته الظالمة، وعن ثورة النقد وعن العقلانية والتنوير والثقافة، وكان يرحمه الله سعيداً بهذا، وقال: علي الرغم من كثرة الجوائز التي حصل عليها من دول كثيرة، إلا أن جائزة شربين تبقي الأهم في حياته لأنها من مسقط رأسه.
رحم الله عاطف العراقي وخفف الوطئ علي تلاميذه ومريديه، والآن نستطيع أن نقول إن من كان يحب عاطف العراقي في شخصه، فعاطف العراقي قد مات ووري جسده التراب، لكن من كان يؤمن بدعوته إلي العقل والعقلانية مثل أستاذه زكي نجيب محمود، فهي باقية وتحتاج من يحمل شعلتها.
وأعتقد جازماً أننا أحوج ما نكون إليه في هذه الأيام التي اختلط فيها الحابل بالنابل ولم نعد نعرف أين تتجه مصر الآن.

-----

د. سعيد اللاوندي