رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سقطة النائب الشاب وخطيئة الثوار؟!

مقالات الرأى

الثلاثاء, 28 فبراير 2012 08:20
بقلم -دكتور أسامة أبوطالب

لا أنكر أنني ومعي الكثيرون كنا نتابع أداء النائب زياد العليمي بإعجاب سببه هدوؤه وتعقّله وتحليلاته المنطقية - رغم حداثة سنه وتجربته - دون سابق معرفة به, حتى هذه اللحظة. مثلما أعرف أن كثيرين من الذين أعطوا أصواتهم لمرشحين من حزب الحرية والعدالة عن اقتناع، قد صوتوا لمرشحين من الكتلة ومن شباب الثورة

والليبراليين - عن اقتناع أيضا – رغبة في تحقيق نسبة من اختلاف الألوان السياسية في لوحة أول مجلس للشعب منتخب حقيقة وبأقل قدر من التجاوزات. وأن هذه النسبة من المصريين الواعين قد بهرتني بفكرها الثاقب وإخلاصها الحقيقي للديمقراطية ورغبتها في أن ترى وتعيش مشهدا برلمانيا تتبارز فيه الأفكار وتتنافس فيه الخطط والمشروعات وترتفع أصوات المعارضة الحقيقية بعد عهود طويلة من القمع والكذب والإفساد والدجل والتطبيل والتضليل. وبناء عليه فقد أعطت هذه الفئة أصواتها  لمرشحين متباينين تحقيقا لفائدة التعدد الخصب بين  النواب بفوائده ومزاياه. وأن قرارهم ذلك قد نتج عن إعجاب واقتناع ببعض المرشحين حتى ولو لم يعرفوهم من قبل وإنما تابعوا كلماتهم ورصدوا أداءهم وتوسموا فيهم سياسيين جادين مخلصين لمصر والمستقبل ومنهم الشاب زياد العليمي زيادة في التأكيد!
مثلما لا أنكر أنني ومعي الكثيرون ممن يتابعون جلسات البرلمان لا نخفي إعجابنا بأداء رئيسه الدكتور سعد الكتاتني بعد أن توقعت فئة المعوقين الشامتين فشله وفشل البرلمان. ووضعت فئة طيبة  أيديها على قلوبها إشفاقا على الرجل من المهمة الجديدة الصعبة - وخوفا على التجربة الديمقراطية الوليدة في مجلس طال احتكار المحترفين له - حتى ظننا أنه لن يخلفهم أحد وينجح بسهولة. وكأن في المهمة معجزة. أو كأنه ليس في الخلف من يطاول السلف الذي لن يتكرر ولن يجود بغيره الزمان! فهكذا أورثتنا عهود القهر فكرة الفقر في الرجال. والفقر في الشخصيات. وانعدام الثقة في المستقبل بعدما ظلوا يرددون على أسماعنا عمدا: «إذا ذهب فمن يأتي بعده؟!».. «وإذا خسرناه فمن يستطيع أن يخلفه؟!».. «وإذا راح فإن الثمن الفوضى وإذا فرطنا النظام ضاع الاستقرار»!! كل ذلك رددوه وحفظوه للناس كي يثبّتوا فكرة إبقاء الطاغية وترسيخ أقدام الفاسدين وعجز هذا البلد أن يعطي وأن ينجب وأن يجدد دماءه كل حين!
لكن زياد العليمي قد تجاوز. وفي التجاوز خطيئة كما حدثنا فلاسفة اليونان الأقدمين عندما عرف أرسطو

الفضيلة بأنها «وسط ذهبي.. لكونها  وسط بين رذيلتين» وبناء على ذلك تكون الشجاعة وسطا بين التهور والجبن أو الإحجام. ويكون الكرم وسطا بين الإسراف والبخل أو بين التبذير والشح. مثلما أشاد الإسلام بالتوسط أيضا كفضيلة لكل الفضائل وعدد القرآن الكريم ذلك في مواضع كثيرة وكرره. تجاوز زياد ليس في المرة الأولى التي نثق أنها كانت زلة لسان أو انحدار باللفظ سقط فيه انحرف إليه . أو  حتى نكتة سخيفة انفلتت من بين شفتيه ولم يستطع – أو لم يقو على كبح جماح لسانه ليتراجع فيها أمام «جماعة المعجبين به» والذين ضحكوا له سفاهة وصبيانية ونزقا. ذلك لأن العمل السياسي أكثر جدية من أن يكون مجرد «ديماجوجية».. أو سخرية تشي بالصبيانية . واستهزاء واستظرافا ينبئ عن عدم النضج. بينما يمثل النقد الموضوعي أو الانتقاد فعلا  أكثر احتراما وأرفع شأنا وأداء وفائدة من أن يصبح مجرد سخرية أو تطاول. خاصة إذا اتسعت بفضل الثورة مساحة الاستماع وانطلقت حرية التعبير  كما لم نعتدهما ولم يسمح لنا بهما من قبل.
ولكن تلك الأسباب التي تؤدي إلى التماس العذر لزياد – في السقطة الأولى - قد سقطت حينما عرضت عليه فرصة الاعتذار في جلسة البرلمان. وعرضت عليه كريمة دون أي رغبة في الحط به أو المساس بقدره . بل وزاد رئيس مجلس الشعب من ترديدها محبة فيه وإشفاقا على موقفه فخرجت كلماته وكأنها رجاء حارا منه يوجهه لابن عزيز عليه يستحثه على قولها دون أن يستطيع الرجل أن يخفى انفعاله المتلهف على سماع كلمة الاعتذار. حتى بدا وكأنه يدفعها لتخرج من بين شفتي نائب الشعب الشاب الثوري في مجلس ما بعد الثورة دفعا!. لكنه للأسف لم يكبر على عناده الذي كان حريّا به أن يقهره. ولم يتغلب على كبره فيستمتع بتصفيق آخر أجمل إعجابا بشجاعة التواضع وصفحا عن خطأ كان الجميع مستعدين – وأولهم الرجل الذي تم المساس باسمه – أن يعتبروها مجرد
زلة لسان قبل أن تتحول بفعل المكابرة والعناد إلى سقطة . وسقطة تمثل تحولا جارفا في أخلاق من نسميهم ثوارا لكن يبدو أن أغلبهم ليسوا كذلك وإن تقدموا الصفوف في الميدان أو حتى عرضوا أنفسهم للخطر فكثيرا ما يخدع الإنسان نفسه. والفرز قادم لا محالة. عندما يسمح الوقت وتهدأ فورة الاضطراب وتحاسب الثورة ثوارها ويحاسب ثوارها أنفسهم ويحاسب الشعب المصري الجميع.
لقد تعددت بالفعل تجاوزات الشباب في الشارع وفي الميادين. لأن في الاجتماعات «الثورية» تحدث أشد التجاوزات. وحتى على شاشات التلفزيون ومن بينها – بل وأكثرها - قنوات فضائية مدفوعة الأجر أو مسخرة موظفة لخدمة أهداف أخرى كثيرة ليس من بينها تحقيق آمال الثوار ولا مصلحة أهلهم ومواطنيهم الذين ثاروا من أجلهم. تعددت التجاوزات حتى سمعنا ألفاظا حادة وألفاظا جارحة وألفاظا ما كان لها أن تصدر من شباب متعلم فما بالنا حين نسمعها تصدر وتنطلق بإصرار – وفي  أحيان كثيرة بتلذذ واستمتاع – من أفواه من يسمونهم أو يسمون أنفسهم ثوارا ويقدمون على أنه كذلك! 
فهل يضم قاموس الثورة بين مفرداته ألفاظا خارجة وتبجحا غير مقبول؟. وهل السعي من أجل الإطاحة بفساد تعني ارتكاب فساد ولو حتى بمجرد الكلمات؟. وهل يتمثل الشباب الأصغر سنا والمتحمسين للتغيير في الثوار – وهم يشتمون ويلعنون ويسبون – أسوتهم الحسنة وقدوتهم ونموذجهم الذي سوف يحتذون به؟!
وهل يمكن بعد كل ذلك الزعم بأن للثورة أخلاقا؟؟. والإجابة بكل تأكيد نعم.. وقد تمثلت هذه الأخلاق في الميدان ثمانية عشر يوما كاملة.. وهل للثوار أخلاق؟ والإجابة نعم أيضا. وهي ترفض تطاول جيل على جيل مثلما ترفض تباهي الأصغر بسنه والشاب بشبابه وتعاليه على من هم أكبر منه سنا. لأن السن مرحلة من العمر لا بد من عبورها.. هو تقدم بالإنسان في شوط الزمن اللانهائي. وتقدم من شروطه كي يكون صحيحا وصحيا أن يكون مصحوبا بالنضج مقترنا بالحكمة. صحيح أن  الاندفاع هو سمة فترة الشباب. لكن زينتها تكمن في تتويجه بالتأني كي لا يتحول إلى طيش   . مثلما التريث وربما البطء في اتخاذ القرار والهدوء سمة التقدم في العمر.
مع أن مسحة أو لمسة من حرارة الجرأة ومن سخونة الحركة ومن سخونة الحسم تصبح تتويجا للكهولة وزينة للشيخوخة. لكنها لو زادت تصبح نزقا وخرفا وصبيانية لا تليق . تماما مثل التأني الشديد والتردد الذي لو تحكم في شاب وشاب تصرفاته تحول إلى بلادة وأسلمه إلى الترهل . أقول قولي هذا ولا يزال ألمي مما حدث وألم الكثيرين قائما موجعا. وكي يتبصّر النائب الشاب الذي أعجبنا به فيرجع إلى خلق الثوار الحقيقيين وخلق المصريين وخلق المثقفين الحقيقيين. وسوف تفرح به السيدة والدته أكثر. وسوف يبتسم المشير طنطاوي في سماحة ويقبل اعتذاره لأب ولجدّ ولرجل مترفع وقائد حليم يحظى رغم أي اختلاف في الآراء باحترام كامل من الجميع.

بقلم -دكتور أسامة أبوطالب
[email protected]