رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أقباط مصر.. بين الهجرة والتهجير

مقالات الرأى

الجمعة, 17 فبراير 2012 09:05
بقلم- مجدى صابر

بدأت هجرة الأقباط فى الستينيات، وكانت دوافعها البحث عن فرصة أفضل فى الحياة، فى زمن لم تكن فيه أية مشكلات طائفية أو فرز طائفى على أساس الدين، ولا كانت هناك مشاكل فى بناء الكنائس، فكان الأقباط وقتها يشعرون بأنهم مواطنون حقيقيون لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات.

ولكن ومنذ بداية السبعينيات وعندما دعم السادات الحركات الدينية وحماها متصوراً أنه يضرب بها الحركات اليسارية والناصرية فى مصر دون أن يتخيل أن السحر يمكن أن ينقلب على الساحر فيموت بيد بعض المتطرفين.
وبداية من أحداث الزاوية الحمراء فى السبعينيات وما تلاها من أحداث عنف طائفى بدأت موجة الهجرة الثانية للأقباط، هرباً من تنامى قوة الجماعات المتطرفة التى كانت تستهدف الأقباط وتستحل أموالهم.
وفى عهد مبارك لم تتوقف موجات الهجرة، ليس فقط بسبب العنف الطائفى ولكن أيضاً بسبب تجاله اختيار الأقباط فى المناصب العليا سواء فى الجامعات أو المحافظين، أو كقادة الجيش وغيرها، ووصلت إلى حد عدم تعيين شباب الأقباط كمعيدين فى الجامعات، كل ذلك كان يجرى فى صمت ودون إعلان وكأنه قانون غير مكتوب ينفذه البعض.
> ومما لا شك فيه أن الأقباط استبشروا خيراً بقيام ثورة 25 يناير وشاركوا فيها وقدموا الشهداء وتلاحم فيها الأقباط والمسلمون فى مشهد غير مسبوق فى ميدان التحرير وكل ربوع مصر.
ولكن يبدو أن الفرز الطائفى السابق قد أفلح فى تجاوز نتائج الثورة وعاد ليطل برأسه مع تنامى قوة المتشددين دينياً، فى أسلمة الفتيات المسيحيات القاصرات والتعدى على أماكن عبادة الأقباط بدعوى أنها غير مرخصة، فكانت أحداث كنيسة إمبابة وحرقها وكنيسة الماريناب التى أحرقت أيضاً، وغيرها من أحداث العنف الطائفى.
مرة أخرى استبشر الأقباط خيراً بفوز الإخوان المسلمين بنسبة تقترب من النصف فى الانتخابات الأخيرة، لثقتهم فى وسطية الإخوان ورجاحة عقلهم وأنهم لا يرفضون الآخر، بل على العكس فكثيرون من قياداتهم حضرت صلاة عيد الميلاد الأخير فى النكائس وقدمت التهنئة للأقباط فى وقت كانت الجماعات السلفية تنادى بتكفير الأقباط وعدم تهنئتهم

بالعيد أو حتى السلام عليهم ومصافحتهم!
> وأعود لمسألة هجرة الأقباط التى عادت أشد ما تكون فى موجة هجرة ثالثة بعد أحداث ماسبيرو التى سقط فيها خمسة وعشرون من شباب الأقباط فكان أن عاد الأقباط للتدافع أمام السفارات الغربية وكندا بحثاً عن هجرة، لدرجة أن قدر البعض عدد من هاجروا من الأقباط بعد ثورة يناير إلى مائة ألف، وإذا كان بعض الأقباط قد اختاروا الهجرة بإرادتهم، فهم أحرار فى ذلك، ولكن أن تصل الأمور للتهجير القسرى لبعض الأقباط من مساكنهم وقراهم، فهذا ما لا يقبله أحد ولا يرضى عنه.
وفى مقال سابق تحدثت عما حدث فى منطقة العامرية بالإسكندرية بقرية النهضة، التى اكتشف سكانها علاقة شاب قبطى بسيدة مسلمة، فكان أن هاجم بعض شباب القرية بيوت الأقباط ومتاجرهم وأحرقوها، بل وعقدوا جلسة عرفية بين الطرفين انتهت بقرار تهجير سبع أسر قبطية من القرية، والمدهش فى الأمر أن بين من حكم عليهم بالتهجير من لا علاقة له بأسرة الشاب القبطى، وتحول الأمر إلى عودة للفرز الطائفى على أساس الدين، وانتهاز الفرصة لإخلاء القرية من الأقباط، وهى الدعوة التى تبناها بعض السلفيين فى القرية.
وما يثير الذهول أن اللجنة العرفية التى أصدرت القرار كانت تضم نائباً سلفياً عن المنطقة، وهو بحكم عضويته فى مجلس الشعب يفترض فيه أن يكون نائباً لكل المصريين، بكل انتماءاتهم وأطيافهم وأديانهم، ولكن النائب الموقر بدلاً من أن يدافع عن حقوق الأقباط التى كفلها الدستور بحرية الإقامة والعمل، كان أول من أهدر هذه الحقوق بدعوى خوفه على هذه الأسر القبطية وإيثاراً لسلامتها، وكأننا تحولنا إلى غابة يفترس فيها القوى الضعيف ثم تساق المبررات غير المقبولة أو المعقولة فى تفسير الأمر.
بل وخرج الأستاذ بكار، المتحدث باسم السلفيين، ليقول إن أقباط القرية اختاروا التهجير بإرادتهم دون تهديد من أحد، وكأنه يغسل يديه من دم ابن يعقوب، وكأن الأقباط فى هذه القرية كان لهم اختيار آخر فى ظل التهديدات التى يتلقونها، وعجز الداخلية والجيش عن حمايتهم، وكأن الداخلية والجيش صارا لهما مهنة أخرى غير حماية المواطنين وحفظ حقوقهم وإعلاء شأن الدولة المدنية التى لا تفرق بين مسيحى ومسلم.
> وما يثير الحزن الشديد أن الدكتور سعد الكتاتنى، رئيس مجلس الشعب، وهو من قيادات الإخوان المسلمين، أنه رفض إصدار بيان للمجلس بهذا الخصوص أو حتى مناقشته الآن، وأحال الأمر إلى لجنة حقوق الإنسان بالمجلس، مؤكداً أن العديد من الموضوعات لا تحتاج لعرضها على المجلس ومن واجبه إخماد تلك الفتنة، راجياً من النواب عدم تعطيل الأعمال فى المجلس، لأن مصر ــ على حد قوله ـ مليئة بالأحداث اليومية ولا يمكن لكل حدث أن يتم رفع بيان له!!
وكأن ما حدث لأقباط العامرية مجرد حدث عادى لا يستحق من المجلس مناقشته أو إصدار بيان بخصوصه، هكذا تحولت كارثة التهجير إلى حدث عادى على يد الدكتور «الكتاتنى»، لا يستحق أن يشغل نفسه أو المجلس به وذلك فى الوقت الذى أعرب فيه الدكتور عمرو موسى عن أسفه لما حدث من تهجير لأقباط العامرية وقال عنه إنه أمر لا يمكن قبوله تحت أى ظرف من الظروف ولا يمكن تصوره وطالب الجهات المعنية باتخاذ الخطوات اللازمة لضمان منع هذا التهجير القسرى أو حتى مجرد التفكير فيه.
وكذلك حذر الدكتور فؤاد عبدالمنعم رياض القاضى السابق بالمحكمة الدولية لجرائم الحرب وأستاذ القانون الدولى من أن تهجير الأسر المسيحية من مساكنها أنه ربما يكون البداية الحقيقية لتقسيم مصر إلى دويلات عرقية صغيرة وأن هذه القضية ستكون النعش الذى ستتمزق مصر عليه.
وهو أن قد أصاب فيه الدكتور فؤاد إلى حد كبير فإذا ترك المسئولون فى هذا الوطن الآن ليمر مرور الكرام فسيكون ذلك بمثابة إشارة وموافقة ضمنية على ما حدث ليتشجع الآخرون فى أعمال التهجير القسرى للأقباط من مساكنهم وأعمالهم وأوطانهم، ليبحث الأقباط عن مكان آخر يجدون فيه الأمن والأمان، وكأنهم يدفعون الأمور عن عمد لتقسيم مصر على أساس طائفى تحت سمع وبصر الجميع، ثم يتباكون بعدها بأن الغرب يسعى لتقسيم مصر إلى دويلات صغيرة، فى حين أنهم المشجعون على ذلك ولو بالصمت، فيا عقلاء مصر وحكماؤها اخمدوا الفتنة قبل أن يشتعل الرماد تحت النار، فلا يبقى على شىء.

------------

بقلم- مجدى صابر