رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

« النور» ينسحب من البرلمان

مقالات الرأى

الجمعة, 17 فبراير 2012 09:00
بقلم-د.صديق عفيفى

«النور» ينسحب من البرلمان إذا لم نمارس الرقابة على ميزانية الجيش . هكذا أعلن السيد نائب حزب النور فى مجلس الشعب (حسب اليوم السابع فى 14 فبراير 2012) وهو أمر جد خطير لعدة أسباب، أولاً: لأن منطق التهديد لا يجوز أن يكون أولي أدوات نائب البرلمان

وفى يده أدوات أخرى كثيرة ربما أكثر فاعلية، وثانياً لأنك لا يجب أن تهدد بشىء إلا إذا كان  الطرف الآخر مقتنعا بأنك يمكن أن تنفذ تهديدك ، وثالثاً لأنك يجب أن تكون متأكداً من قدرتك على تنفيذ ما تهدد . هكذا تعلمنا فى علم السياسة ، ويبدو أن السيد النائب انتقل مباشرة من نشاط الدعوة الدينية الى نشاط العمل البرلمانى ، ويلزم له ولزملائه بعض الدراية بالعمل البرلمانى الذى يجب توجيهه لمصلحة الوطن.
أما السبب الأهم لخطورة هذا التهديد أنه يعبر عن قلق حقيقى لدى النواب ولدى الناخبين الذين انتخبوهم بشأن قضية الرقابة على ميزانية القوات المسلحة، وهذا القلق لا ينبع من فراغ، فالشعب بالتأكيد عبَّر عن تخوفه بهذا الصدد قبل ذلك بصور متعددة، والخبراء والناشطون أيضا كانوا فى مقدمة من أكدوا قلقهم فى هذا الشأن 
ونحن حاليا لا نتحمل مصدراً جديداً للانشقاق فى صفوف الأمة ولا ينقصنا مدخل جديد للنيل من ديمقراطية النظام . فمن الطبيعى أن تكون القوات المسلحة حريصة على سرية امور كثيرة هامة فى عملها وخططها وبرامجها وإنفاقها ، وكل ذلك يؤثر فى الميزانية ويتأثر بها، وبالتالى يظهر الرأى القائل بسرية الميزانية ، والسؤال هو إلى أى حد تكون هذه

السرية ؟ وسرية على من ؟ وماذا يضمن الرقابة على سلامة التصرفات؟
إن أحد المبادىء الأساسية للديمقراطية التى استشهد من أجلها الآلاف ، والتى من أجلها كانت الثورة هو مبدأ الشفافية وتعنى أن تكون المعلومات متاحة للجميع أو لذوى الشأن فيما يخص كل القرارات والسياسات وبخاصة الإنفاق العام والمال العام، إن هذه الشفافية تحقق الأهداف التالية:
أولاً: يكون هناك نقاش وحوار بين ذوى الشأن حول أولويات الإنفاق، وحجم الانفاق، وتوقيت الانفاق، وسلطة الانفاق بما يؤدى فى النهاية الى تحقيق المصلحة العامة، ولا شك أن مجلس الشعب هو الجهة المنوطة بهذا النقاش والحوار واتخاذ القرار لأن مجلس الشعب هو المسئول عن تحقيق رفاهية الشعب وإنفاق أمواله فى الوجوه التى تحقق ذلك والرقابة على هذا الانفاق.
ثانيا إعلاء مبدأ الشفافية يحقق الرقابة التلقائية على التصرفات ، ولا تكون هذه الرقابة من البرلمان فقط وإنما من كل ذى مصلحة ومن كل مواطن ، فيعرف المسئول أنه تحت المنظار وأنه محل رقابة فى تصرفاته وقراراته ونفقاته ،إلخ.
ثالثاً: إعلاء مبدأ الشفافية يؤدى أيضا الى ان المسئول نفسه تتحقق لديه الرقابة الذاتية ، فطالما أن تصرفاته تحت الضوء طول الوقت ومن كل الناس فسيكون بالتأكيد أكثر حرصاً، وربما اقل فسادا وتبجحا . وبذلك تكون هناك حوكمة تلقائية فى النظام العام والانفاق العام.
رابعاً: إعلاء مبدأ الشفافية يقلل من الوقت والجهد الضائعين فى البلاغات عن الانحراف وفى التحقيقات وفى التقاضى وفى الإعلام ، لأن كل شىء معلن سلفاً ومعروف للجميع ، وبالتالى نوفر الجهد والوقت والمال، ولذلك مردود نفسى طيب على المسئول ومردود إيجابى للغاية على المناخ العام للعمل.
خامساً: إعلاء مبدأ الشفافية يؤدى بالضرورة الى مزيد من التأنى فى القرارات والرشد أيضاً... فالقرار الرشيد تكون احتمالاته اكبر كثيرا إذا سلطنا الضوء على كل القرارات والسياسات وعرفها كل الناس.
ويصل الأمر فى  بعض الدول الى شفافية غير عادية فى الأمور العامة والخاصة أيضا، وكلنا يتذكر محاكمات كلينتون عندما اتهم بالكذب ،وكيف كانت كل التقارير والتحقيقات والمحاكمات معروضة بالكامل على شبكات الانترنت ليس لأعضاء البرلمان فقط وإنما لكل الناس ، وليس فى أمريكا فقط ، وإنما فى كل الدنيا.
يبقى أن نتعامل مع أمر فى غاية الأهمية فى هذا الخصوص وهو أن مصر تمر بظرف صعب، وأمور جيشها بالتأكيدلا نريد كشفها لكل الناس ، فالميزانية تعنى حجم التسليح وتعنى حجم القوات، وتعنى حجم التجديد ، وتعنى حجم الاستعدادات العسكرية، وتعنى أموراً كثيرة اخرى .. وربما كان بعض هذه الأمور له خصوصية عالية جدا ويجب ان تفرض عملية السرية وبالتالى يزداد تأييد القول بضرورة سرية ميزانية الجيش. يصبح الامر إذن واضحاً بعد هذا التحليل ويكون المبدأ الذى نقترحه هو تطبيق الشفافية التامة إلا فيما يهدد الأمن القومى ، وأجدر الناس بتقدير اعتبارات الامن القومى هم أعضاء لجنة الدفاع والأمن القومى بالبرلمان.
كلمة أخيرة لابد أن أقولها، وهى أن السرية أصبحت محدودة الأبعاد جدا كنتيجة طبيعية لبعض العوامل: أولاً أن أكثر السلاح الذى نشتريه يكون من أمريكا ، وحجم القوات فى الأماكن الهامة محكوم باتفاقيات معلنة ، وقطع الغيار نشتريها من امريكا . ويصعب فى كل ذلك أن تكون مساحة السرية كبيرة ، وبالتالى فربما نحن نتجادل حول أمر محدود الأبعاد ومحدود التأثير.
آخر سطر
إذا لم تثق فى نوابك نغلق البرلمان أجدى